الأربعاء، 16 ديسمبر، 2009

عند طرف الثوب.. ثمة كائن يختنق


هناك... منزويا بعيدا عن العيون، اعتاد دائما أن يكون. يتخذ لنفسه مكانا واحدا إن رافق والدته. قد يلتصق بها، يختبئ وراءها، يسترق النظرات إلى كائنات بشرية يفوق عددها الخمس أو الست. مشهد لم يعتد مواكبته إلا من بعيد، وقد ألف منذ سنين وجوها لا يكاد يأنس إلا بها.
وحيدا مع أمه المنغمسة في حوارٍ نسائي لا يعنيه، يتلهّى بجلبابها.. يأخذ طرفا منه، يلفّه على إبهامه، يحمرّ إصبعه الصغير.. قد يؤلمه الدم المحصور في لامبالاة منهن.. يواصل لفّه في شرودٍ عجيبٍ.. يؤلمه، يحوّل وجهة قطعة قماش الجلباب.. يضعها في فمه.. يمتصها ويمتص معها خجله، وقد يلعن الظرف الاضطراري الذي يحبس الأنفاس مِزقًا في داخله.
يتأفف خلسة، فجهرا. وقد يتساءل ما الذي جمعه مع أناس لا هم ّ لهم سوى أن يحرقوا جسدا ينمو بنظرات لم يعطِ نفسه الفرصةَ ليفهمَ معناها.
من جديدٍ، يجد نفسَه مجبرا على البقاء في مكانٍ لا يعنيه.
في لامبالاة بابنها، تعيش الأم لحظات أنس مع رفقة قد اختارتها منذ سنين، دون أن تدرك أو لعلها تدرك بفعل التعوّد أن حضور كل تلك الأعين يربك نظام تراتبية الأشخاص عند ابن الرابعة.
يفرّ خجلا من ذاته إلى جلباب أسود يدفن معه حرجه. إن رميت بصرك صوبه، يتصاعد ارتباكه.. يتأزم الموقف عنده أكثر إن لوحّت له من بعيد مرحبا أو مبتسما، ليبلغ التأزم ذروته إن وجهت إليه الخطاب.
دموع سجينة تقتنص المخرج للنزول على وجه احمر حدّ الرمان خجلا وارتباكا، وقد اكتنزها منذ بداية اللقاء واستعصى عليه أن يحتفظ بها أكثر داخل مقلتين أحرقهما لهيب الخجل والتذبذب.
لا يكاد يبتلع لعابه، يشرقه، فتتوالى السعلات وقد كانت في احتباس دفين، و...بسابق إنذار تنزل دمعاته مدرارا في صمت محيّر يُخجل والدته ويربك الحضور حوله.
وابل من الأسئلة يهطل عليه استفسارا دون أن يجد لها إجابة، أو ربما في استحياء طفولي يجد لها بدل الإجابة مائة، فيقتلها في أعماقه، ويطلب المغادرة.. قرار ليس بعده رجعة.
ينتهي لقاء الأحبة وقد عكر الصبي "الشيطان" صفوه، ليتوه محمد بين حرجه وسخط أمه. يختلط شهيقه مع صراخها، ويبقى وحيدا في غرفته - تأديبا- دون موعد اختلاط مرتقب.

ليست هناك تعليقات: