الخميس، 23 أغسطس، 2007

بعض ما يحدث في تونس

كانت الساعة تشير إلى الثامنة وعشر دقائق... امتطت ''أماني'' كعادتها المترو الخفيف ليوصلها إلى محطة الحافلات فتمتطي واحدة توصلها إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية حيث تدرس بالسنة الثالثة ، قسم أدب وحضارة أنقليزية. كانت الساعة تنبئ بتأخّر الطالبة عن الحصة الأولى.
''كان اليوم منذ بدايته مشؤوما'' هكذا تمتمت الفتاة...اليوم من أوله غير عادي بالنسبة إليها، نهوضها متأخرة على غير عادتها، وركوبها المترو في تلك الساعة وفي ذلك الازدحام... كان المترو مكتظّا...اختلطت فيه روائح العطور بروائح الأحذية وغيرها، حالة من الاختناق تولّدت لدى الجميع. غير أنّ الجميع كان مُجبرا على استنشاقها وربّما التذمّر سرّا أو تبادل نظرة اشمئزاز من الوضع مع من يحمل نفس الإحساس. اختلطت الأيادي وترامت، بعضها متّجهة نحو جيب هذا وحقيبة تلك، وبعضها الآخر كانت وظيفتها أن تتلاعب بأعصاب ''أماني'' وتحصرها في مكان يجعل منها فريسة اختارها كهل الخمسين ليُغذّي شهوة خاطفة. كانت الفتاة تُوجّه عينيها المملوءتين استغرابا وحيرة إلى رأس الكهل يكسوه بياض النضج والرشد...وتُحدّث نفسها محاولة الاقتناع بعكس ما يجري جليا أمامها وما يُحدثه الاكتظاظ وتلاحم الأجساد، غير أن محاولاتها تلك سرعان ما تلاشت أمام تأكّدها من أنّه يستغلّ الوضع ليتحسّس أجزاء من جسدها. لذلك وجدت أنّ الصمت لن ينفع في مثل تلك اللحظات، فألقت به جانبا وقرّرت مواجهة الرجل وأمره بالابتعاد عنها والتوقف عن مضايقة جسدها الصغير. كلّ تلك المضامين اختزلتها الفتاة في كلمتين ''الشيب والعيب''... كلمتان كانتا كفيلتين بأن تضرم حربا ضروسا في المترو قادها رجال ونساء ''في سابقة أولى تمّ فيها اتفاق الجنسين'' هكذا تحدثت الطالبة الجامعية مستهزئة. لم يستطع أحد أن يتماسك أمام ردّ الرجل ز أنا في سنّ والدك، صلّي على النبيّس.
كلمات ذات إيحاء ديني وأخلاقي نجحت في إخراج الفتاة في أبشع الصور وإنقاذ الرجل من الموقف وجعل الجميع في صفّه...''كانت وسائله مُقنعة لركاب كان همّهم الوحيد أن يفرغوا حقدهم فيّ وفي جيلي'' هكذا رأت أماني. في حين تضامن الجميع مع الرجل ''الوقور الناضج الراشد''. انهال الجميع عليها شتما ولعنا تجاوز والديها لسوء تربيتهما لها حسب اعتقادهم، وطال أيضا المدرسين... وبعضهم وصل به الحد إلى حمد الله لان أبناءه لم يدخلوا الجامعة ''موطن الفساد'' حسب تعبير بعض الراكبين. وطال فرنسا والانفتاح والعولمة ووسائل الإعلام...وذهب البعض بعيدا إلى حدّ لوم الدولة لأنها تسمح باستعمال الهوائي ولوم بورقيبة لأنه علّم المرأة وحرّرها... وتضيف أماني: ''كانت الحادثة مولّدة لعدّة مواضيع ناقشها الجميع فيما بينهم في غير انتظام. كما كانت تُنبِئُ بمُؤشّرات خطيرة في مجتمعنا التونسي، أصابني ذهول وأنا أستمع لنقاشات الراكبين والراكبات واستعمالهم لمصطلحات فضفاضة في غير محلّها...
وابل من الأسئلة انهالت عليّ من ذاتي إلى ذاتي... وتذكّرت الحضارة الأنقليزية التي أدرسها ودراساتي الجامعية التي نالها الشتم كما طال أهلي ومدرسيّ وجيل بأكمله. كان بوسعي أن أردّ على الجميع غير أنّ يقيني بأنّ الجميع لن يستمع إليّ، وإن استمع فلن يفهم شيئا من كلامي جعلني أصمت، وجعل ذاكرتي تُسعفني بحكمة تلوتُها على نفسي ''لا ينفع العقار في ما أفسده الدّهر'' ونزلتُ بلا رغبة في الذهاب إلى الجامعة''. نزلت الفتاة من المترو الخفيف مُثقلة بهموم وأوجاع مجتمع بأسره، حمّلها الراكبون والراكبات أخطاء جيل بأكمله وسلوك ''شباب اليوم''. كان حملا ثقيلا جعلها تنزل من المترو ولا شيء في ذاكرتها غير اعتقاد راسخ ''أنه من الصعب أن نحطّم نحن جيل اليوم- حضارة الصمت في مجتمع يُقدّسُ الرجولة ويغفر أخطاء الرجل ويتغاضى عن بعضها ويجد أعذارا لبعضها الآخر''.
هكذا تمتمت الفتاة بصمت وهي تخرج من محطة المترو لتواصل سيرها نحو الجامعة لتتعلّم فيها بكلّ صمت فنون الكلام.