الأربعاء، 21 فبراير، 2007

الشباب والجنس..وعي جديد أم عودة التابوهات..!

"نحن بنات عائلات محترمة لا دخل لنا بمواضيع الجنس المخلّة بالأخلاق ولا نقبل أن يقلل أحد من احترامنا فيحدثنا فيها"، كذا اتفقت ثلاث فتيات على الإجابة عن أسئلتنا بشأن رأيهنّ في موضوع الشباب والجنس اليوم، فهل يمكن أن نقبل بهذا ونمضي...
ربّما يخال البعض أن تطوّر المجتمع التونسي وتعرّضه للمؤثرات المتعاظمة لوسائل الإعلام والاتصال الحديثة قد أزاح الستار الحديدي الذي جعل هذه القضية في زمن مضى من التابوهات المسكوت عنها اجتماعيّا، خاصة وأنّ هناك وعيا جديدا بدأ يرتسم لدى بعض شبابنا حسب ما أفادت به بعض الدراسات. كما أنّ التحوّلات التي شهدها المجتمع التونسي خلال العقدين الماضيين وحتى الظاهرة منها للعيان مثل مسألة اللباس أو حتى التمثلات الجمعية للدور الجديد للمرأة في المجتمع الاستهلاكي قد يوحي بزوال معظم تلك المقدسات الذهنية، غير أنّ الرفض الاستنكاري لبعض فتياتنا مجرّد الخوض في موضوع كيفيّة تعامل شبابنا مع الجنس دفعنا إلى مراجعة مواقفنا وآرائنا المسبقة بشأن هذه القضية، وهو ما شكّل محور هذا التحقيق الصحفي الذي أنجزته مجّلة "حقائق" تسليطا للضوء على موضوع لم يعد مبعث اتفاق...


كثيرا ما اعتبرت مرحلة الشباب، في أدبيات علماء النفس الاجتماعي، مرحلة تحوّل مفصلي من عالم الطفولة إلى عالم الكبار. ولئن كانت هذه المرحلة العمرية تشوبها الحركة والتغيير الجذري والميل غالبا إلى خوض تجارب جديدة والرغبة في تأكيد الذات، فإنها تشهد لدى الكثير من الشباب اضطرابا وعدم استقرار، بالإضافة إلى التوتّر والقلق الوجداني، ولذلك قد ترى الشاب يسعى بكل جهد إلى تحقيق استقلاليته عن أسرته ومجتمعه.
بعضهن تربط الجنس بثنائية الحلال والحرام من جهة، والعذرية من جهة أخرى كما هو حال أميرة فتاة العشرين، هي طالبة جامعية تظهر عليها علامات الفطنة والرصانة. الجنس كلمة تحمرّ وجنتاها الصغيرتان حين تسمعها وينحني لها رأسها خجلا... هو كذلك موضوع لا ينبغي الحديث فيه خاصة في البيت أو مع الأصحاب ولاسيما الذكور منهم، فذاك مدعاة للإهانة و خدش لأخلاقها.. وهذا ما يدفع أميرة إلى الانصراف عن المجموعة إذا ما انقلبت "المواضيع الجدية" إلى موضوع عن الجنس لأنه "يقلّل من الاحترام".

"الجنس عندي مسألة محرّمة لا نقاش فيها، فمنذ صغري تعلّمت من والدتي أن الجنس خارج الزواج يفقد البنت كنزها الثمين الذي يعتبر هدية تهبها المرأة لزوجها ليلة الزفاف وأنا لا أوافق الفتاة المخطوبة التي تمارس الجنس مع خطيبها. كما اعتبر ممارستهما تقرب من الحيوانية لأنها خارج إطار الشرع وأرى أنّ الخطيب الذي يفكر في الجنس قبل الزواج حتى وإن كان عن حب لا يحترم خطيبته.. ذلك أن كل شيء عندما يكون في وقته المناسب وفي شرعيته التامة يكون حلوا ومبعثا للراحة لأن الجنس يجب أن يكون مؤطّرا ولا يكون على الهامش لأنه في إطاره هو متعة ومبعث للسعادة والفرحة. وبالنسبة إليّ مثلا لا أتحدث مع خطيبي عن الجنس، حتى مجرد تلفظ الكلمة أرفضه لأنها سوقية في حين أفضّل تعويضها بكلمة حب، فهناك بون شاسع بين الحب والجنس فالأول عاطفة مقدّسة ومسموح بها خارج إطار الزواج، أما الثاني أي الجنس فهو خطأ فادح تكون الفتاة وحدها مسؤولة عنه في حالة وقوعه.

في الاتجاه ذاته روت لنا ريم وهي تلميذة تجتاز مناظرة الباكالوريا العام المقبل أن والدتها كثيرا ما حدّثتها "عن مسألة العذرية.. حذرتني من المغامرة العابثة بفقدانها أمّا مع صديقاتي في المعهد فليس لنا باع كبير في هذا الموضوع وبالتالي لا نتحاور بشأنه كثيرا. وبالنسبة إلى الفتيات في الجامعة واللائي يُعرفن بممارستهن تلك فإنني أرفض قطعيا التحدث إليهن خوفا على سمعتي خاصة وأن الكثير من الفتيات في الجامعة من هذا النوع".

ولئن كشفت الشهادات الحية عن انكماش بعض هؤلاء الشباب عن أنفسهم ورفضهم القطعي أو تحرجهم من الحديث في الجنس، فإن بحثا ميدانيا قام به الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري تناولت محور الشباب التونسي والحياة الجنسية أظهرت أنّ عيّنة من 2600 شابا وشابة تمّ استجوابهم يعتبرون في معظمهم أنّ الخوض في الحياة الجنسية لم يعُد اليوم أمرا محظورا، وأبرز البحث أن الشباب الذين يتمتعون بمستوى دراسي عال نسبيا يعبّرون عن آرائهم حول الجنس بأريحية أكثر من غيرهم وذلك بنسبة تبلغ 61 % من الطالبات ومن ذوات التعليم الثانوي ونسبة 71 % من الطلبة ونسبة 59 % من ذوي مستوى التعليم الابتدائي.
والملاحظ أن هذه الأرقام تخص الأشخاص الذين لا يجعلون من الجنس أولى اهتماماتهم، وهي كذلك نسب ترتفع كلما تقدّمنا في مستوى الانتماء الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي.

هذا التنوّع في الانطباعات التي تصل إلى حدّ التناقض أضحت أمرا يدلّ على التنوّع في المجتمع التونسي بصفة عامة وعلى أن المسائل التي تخص الإنسان لا تخضع لقاعدة علمية ولا يمكن تنميطها. فلئن كان الجنس عند أصحاب الشهادات يبدو للمرة الأولى مصدرا لخرق العادات والتقاليد ودليلا على سوء نية الطرف المقابل، فإن 68 % من الشباب المستجوب في الدراسة المذكورة يعتبر بأن الحياة الجنسية أمر هامّ و14 % منهم يرونها أمرا هاما جدّا مقابل 18 % من الذين لا يرون لها أهمية. فالجنس كما يبدو من خلال شهادات بعض الشبان مقدس وممارسة تأتي لتكمل التوافق العاطفي، في حين اعتبره 24 % من الشباب حاجة وضرورة، غير أن 8 % منهم يرون أنه أمر لا قيمة له ولا معنى.

في قلب الحـدث...

يقودنا هذا التفاوت في تقدير الشباب التونسي لأهميّة الجنس إلى مسألة المصادر التي يعتمدونها في تحصيل ثقافتهم الجنسيّة، ذلك أنّ تحديد رؤية الشباب إلى هذه المسألة ترتبط ارتباطا وثيقا بالبيئة الاجتماعيّة التي نشأوا فيها باعتبارها المحدّد إجمالا للمصادر التي استقوا منها معلوماتهم بشأن الجنس.
وتفيد إحصائيات الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري أنّ نسبة الشباب الذين يلتجؤون إلى المحيط العائلي والاجتماعي في محاولة إيجاد إجابات لمشاغلهم الجنسية تتراوح بين 35 و43 % وتتفاوت حسب الجهات... بعض الأمهات لا يعير اهتماما لتلك الإحصائيات المخبرية، بل منهن من يحرصن على أن تكون الكلمة الأولى لهن في أول درس لأبنائهن في الجنس ومشمولاته..

آسية سيدة لم تتجاوز عقدها الرابع من العمر، فلا تخالها وأنت ترى شكلها ومظهرها الخارجي أن لها بنتين في سن الخطوبة، عملها كسكرتيرة عند أخصائي في أمراض النساء والتوليد يمكّنها من معرفة المشاكل التي يتعرض لها الشباب في بداية حياتهم الجنسية كما يجعلها تتحدث عن هذا الموضوع بكلّ أريحية، فهي كما تقول ضاحكة "أنا في قلب الحدث"، هي من الأمهات اللاتي لا يجدن حرجا في أن يكسرن الحاجز المتين الذي تشيّده النواميس الاجتماعية حول موضوع الجنس، فهي لا تتوانى عن بثّ المعلومة إلى صغارها وإسداء النصيحة في عصر تساهم فيه عوامل عديدة لترسم في الأذهان صورة نمطيّة عن الجنس.. تقول "إن وسائل الإعلام وخاصة منها الفضائيات بما تتضمنه من أفلام ومسلسلات تبيح أمورا خارجة عن عاداتنا وتقاليدنا ولكونها تُعرض بطريقة تشدّ انتباه الشباب التونسي وتقدم أمورا أراها تتلف عقولهم وتفسدها، لذلك تراني في بعض الحالات اضطرّ إلى التوغل في الحديث عن الجنس مع أبنائي، ولا أجد حرجا في الإجابة عن أي سؤال يطرحه علي فرد منهم وفي أحيان كثيرة أمرّر أفكارا حول هذا الموضوع دون أن أكون قد سئلت عنها".

وتضيف محدثتنا بثقة "أنا أفضل أن أكون مصدر معرفة بناتي بخفايا هذه الأمور على أن يعرفن ذلك من أحدى أصدقائهن ممّن لا خبرة أو معرفة لديهن بالأمر حتى لا تمرّر إليهن معلومة قد تؤدي إلى خلل في تربيتهم الجنسية والذوقية. وهو الشيء الذي يجعلني أعمل جاهدة على أن حماية أبنائي من الأساليب المبتذلة التي يتمّ تمريرها في الأفلام أو فيما يروّج من أحاديث الأصدقاء المراهقين عن الجنس والمغامرات المرتبطة به والتي قد تؤدي بالبعض إلى السقوط في منعرجات لا يعلمها إلاّ الله.

من الجدير بالذكر في هذا الصدد أنّ الشباب قد أوجدوا لأنفسهم مصادر أخرى للتثقيف الجنسي بعيدا عن العائلة، إذ يمثل الأصدقاء حسب ما جاء في الدراسة المذكورة أن نحو 9 % من مصادر المعلومات الرئيسية حول موضوع الجنس بالنسبة للشباب...

قلّما واجهتنا امرأة تتحدّث عن موضوع الشباب والجنس بمثل هذه الأريحية والمعرفة والثقة فيما تقول وتفعل، أضافت آسيا قائلةً "حين أتحدث عن الجنس مع أبنائي، أضع في اعتباري أن لا فرق بين الجنسين في التثقيف الجنسي، فقبل أن يأتي سن البلوغ تراني أحرص على أن أفسر لأبنائي التغيرات الفيزيولوجية التي ستطرأ على أجسادهم ذكورا كانوا أو إناثا لكي لا يستغربوا فيما بعد حصول ذلك ولكي لا يتعرضوا إلى "صدمة نفسية فتكون مراهقتهم مضطربة تتخللها أزمات تفرز كهلا مضطربا ومعقدا، غير أني أقوم بتثقيف أبنائي ثقافة جنسية أراعي فيها السن لأنه وحده الذي يحدّد زوايا الحديث في الجنس. وأحاول في كلّ مرة تقديم الجنس في أحسن صورة من منطلق إيماني أن له سرا خاصا في خلق علاقات متوازنة وبثّ التفاهم فهو يأتي ليكمل بالضرورة عاطفة الحب.
فالجنس -حسب اعتقادي- يجب أن يقدم للأبناء على أساس أنه شيء مقدس، فهو مصدر وجودهم في الحياة وليس أمرا مبتذلا أو خارج عن الأخلاق وهنا عليّ أن أوضح أنني أتحدث عن الجنس داخل إطاره الشرعي".

نمط الحياة تغيّر، والعادات والتقاليد لم تكن تسمح للأم في الماضي بأن تتصرّف مع أبنائها مثلما تفعل السيدة آسيا اليوم. تقول في هذا السياق "بالنسبة إلي لم تكن هذه المواضيع تطرح في صغري أصلا، إذ كانت تعتبر موضوعا محرما لا نتحدث بشأنه وإنما نمارسه فقط ليلة الزفاف. لذلك فإني أحاول سدّ الثغرات التي كانت تميّز علاقتي بوالدتي حتى أبني علاقة متينة بيني وبين أطفالي. كل الأشياء التي كنت أتمناها ولا تلبيها أمي جعلتها مواضيع حديث ونقاش بيني وبين أبنائي. ولكن في بعض الحالات -وهذا ما أريد الإلحاح عليه- أن المعلومة التي نقدمها لأبنائنا اليوم لا تفحمهم وإنما تفتح شهيتهم على ما هو أكثر وأعمق".


الجنس هو العذرية...

من البديهي أن تبقى هذه الاستنتاجات رهينة التنشئة الاجتماعية التي نشأ عليها الشباب، فمثلا مريم وهي الآن في عقدها الثالث، فتاة مثقفة تختزل صورة الفتاة التونسية الناضجة والجدية عملا وسلوكا، تحدثنا عن موضوع الجنس. كما تربّت عليه في أسرتها بعيدا عن نواميس المجتمع "لا نتحدث في عائلتي عن الجنس بصفة مباشرة ومن منطلق حدث أو تجربة ذاتية وإنما نضعه على المحك عندما يكون متصلا بمشكل أو حدث إعلامي من ذلك مثلا البرامج التحسيسية حول مرض "السيدا". في هذا المجال يتسع الحديث في الجنس خاصة من طرف والدتي، فيكون الحدث الإعلامي وسيلة تمرّر بها والدتي اقتراحاتها وملاحظاتها حول الأمر وتجعلنا مستهدفين نحن البنات في المنزل بطريقة غير مباشرة بتلك الملاحظات فكما يقول المثل الشعبي "الكلام على خويا والمعنى على جاري" وقد تربط مسائل متعلقة بالجنس بالدراسة مثل الحمل غير المرغوب فيه أو "السيدا" لتستغرب وتلعن الشباب الذي لا يطبق -حسب رأيها- ما يدرسه في العلوم الطبيعية.

بدأت الحاجة نعيمة حديثها معنا بطلب الستر من الله "كنا وإلى الآن لا نحكي في هذا الموضوع، ولا نعرف الجنس إلا قبل أيام معدودات من الزواج. إذ كانت مهمة التوعية الجنسية موكولة إلى "الحنانة" تقدم لنا في احتشام كبير بعض من خبرتها تتصل خاصة بمسألة نظافة جسد المرأة وحسن معاملتها مع زوجها وخاصة طاعته". وتستدرك محدثتنا "أتذكر شخصيا أن إحدى قريباتي توّلت من خلال تجربتها الشخصية المهمة معي ليلة الزفاف دون أن تدخل في التفاصيل لأن الحديث عن ممارسة جنسية شخصية يعتبر حراما كذلك كان الخجل يمنعني من سماع الكثير عن الأمر. ولما رزقني الله ببنتين كان حديثي موجها خاصة إلى نصحهما بالانتباه وأن يفعلا ما يحلو لهما إلا منطقة واحدة محرمة ولا يجب تخطيها، فالفتاة إذا ما فقدت يوما عذريتها فإن عمرها قد انتهى"...

هكذا تلخص الحاجة نعيمة الجنس في كلمة عذرية، ففي فقدان البنت لعذريّتها تحدث الكارثة، بل وهو بمثابة الموت المعنوي بالنسبة إلى الفتاة.. استنكرت غاضبةً وعلى سماتها علامات الانفعال الشديد ما تراه من "فتيات هذا الجيل" ففي رأيها "فتيات اليوم يصل بهن الجهل إلى حد الكفر ومشاركة الله في تحديد المصير وكتابة القضاء والقدر، فمن مغامرة طائشة أو علاقة حبّ قد تكون عابرة أو علاقة خطوبة تستبيح الفتاة لنفسها تسليم جسدها وهدر عذريتها من أجل خطيبها بتعلة أنهما في طريق مآله الزواج"... وهنا تواصل الحاجة كلامها مستغربة "من منا يضمن لنفسه شيئا؟ من أدراهن بالمستقبل وهل أنهن ستتزوجن ممّن أقمن معه تلك العلاقات؟"...

تسترسل محدثتنا في حديثها وتساؤلاتها في الاتجاه نفسه "لماذا يسقطن أنفسهن في دهاليز من الآلام نهايته تشرّدهن وتشرّد أطفال أبرياء يملؤون المستشفيات وديار الرضع. لا أنكر وجود الممارسات الجنسية في جيلنا سابق، لكن الأمر كان مغايرا تماما كل شيء في جيلنا كان "بمرونة" أما اليوم فالأمر مستفحل وحتى البنت "النظيفة" لا تلاقي احتراما كبيرا وإنما تدعى بالمتخلفة والمعقدة بل والمريضة نفسيا"... تضيف السيدة نعيمة بكل سخط ولوم وتحسر "بصراحة الفتيات في تونس تجاوزن كل حدود الدين والأخلاق واللياقة، يتعاطين الجنس بكثرة حديثا وممارسة. قد أخذت بنات العائلات بذنب البنات الأخريات، الله يهديهن، إذ حطمن أنفسهن وحطمن الشريفات ولوثن سمعة تونس بأكملها، فمن أجل الماديات، تبيع بعضهن جسدهن والأدهى والأمر أنهن يعتبرنه مصدر عيش، بئس عيش يكون مقابله شرف بنت وشرف عائلة بأكملها وبلد بأكمله. لذلك أدعو المعنيين بالأمر إن كانوا سلطة قرار أو أولياء أو وسائل الإعلام أن يتشدّدوا في الحرص والعقاب ليكفوا عنّا هذا التسيّب الفاضح في الطريق العام.

أحيانا تشعر بأنك تتحدث مع شخص واحد مع أنّك تحدثت في الموضوع نفسه مع العديد، السيدة أمينة مدرسة في التعليم الابتدائي شارفت على العقد الخامس من العمر وتتشبث بالموقف المحافظ نفسه للحاجة نعيمة، تقول "أنا لست ضدّ تحرّر المرأة بالعكس بعض النساء اليوم نفتخر بمستواهن التعليمي والفكري ولكنني أتحدث عمّن جرفها تيار الغرب ونسين أننا في مجتمع عربي إسلامي له موازينه وخصوصيته، مما جعل الشبان يفقدون الثقة في بنات بلدنا وبالتالي يضربون عن الزواج لذلك أناشدها ألا تفرّط في شرفها وألا تتساوى مع الرجل في الركض وراء النزوات، فالرجل لا يخسر مطلقا بل هي الخاسرة..."


سنة أولى جنــس...

التجربة الجنسية الأولى لها حكاياتها وأسرارها، عدد من الشباب الذين تحادثنا معهم حاولوا إنكارها أصلا، ولكن في كلّ الأحيان تناقضت التقييمات لهذه التجربة التي بدت للبعض استثنائية نفيسة وللبعض الآخر مؤلمة بطعم الحنظل..
روت لنا سامية بعض تفاصيل تجربتها الأولى، فقالت "في العشرين من عمري تقريبا، كان لي أول موعد مع الجنس، أتذكر أني وقتها كنت في قمّة السعادة وفخورة بتجربتي الجنسية الأولى ولا أخفي سرّا أني إلى الآن أحتفظ بنفس الشعور، ولم أندم على ذلك مطلقا بالعكس أنا فرحة لأني وهبت نفسي لمن أحب، كنت أعرفه منذ سنة كاملة وكنا نتحدث في كل شيء، من ضمن تلك الأشياء كان الجنس موضوعنا كنت طالبة جامعية وكان يكبرني بالكثير الكثير، كان الجنس بالنسبة إلينا موضوعا كسائر المواضيع الاجتماعية والنفسية، وقد فكّرت كثيرا قبل "الهدية" وفكرنا أكثر. وبعد تردّد دام طويلا وجدتني على اقتناع تام لأهبه عذريتي وأصير امرأة على يديه وخاصة بعد إعجابي الشديد به وثقتي المتناهية فيه. وحسب تجربتي الشخصية، فإن الثقة والإعجاب هما شرطان مهمان أضف إلى ذلك ضرورة وجود مرحلتين ينبغي المرور بهما وهما الاقتناع الأولي العقلي ثم الاقتناع الفعلي بالممارسة. وفي حضور هذين العنصرين يمكن للفتاة أن تعيش اللحظة قبلها وبعدها في سلم نفسي. العذرية موضوع غير مطروح في عائلتي، لأنّ الأمر يعتبر مسألة شخصية كذلك الجسد هو ملك فردي لا سلطان للغير عليه. كما أنني لم أتربّ على أن العذرية تعتبر مشكلة في حالة فقدانها. لذلك كنت مرتاحة البال ليس لي هاجس الخوف من الخسارة".

على خلاف تجربة سامية، فإنه غالبا ما تكون التجربة الأولى لدى الشباب مجرد إرضاء فضول وبحث عن تجربة لم يتم خوضها سابقا، فالشاب قد يتعرض فيها إلى صعوبات ومشاكل ناتجة عن قلة الخبرة وعن رغبة مندفعة في الوصول إلى أقصى حدّ من إرضاء الشهوة. أما الفتيات فهن غالبا لا يحققن في تلك التجربة متعة كاملة حتى في حضور ممارسة مبنية على الحبّ لأنها في مرحلة اكتشاف لجسدها ورغبتها في أن يكون ذلك بالتدرّج.

وفي حين يرى بعض شبابنا في أول علاقة جنسية متعة ولذة فإن البعض الآخر يعتبرها مصدر قلق وخيبة أمل ووخز الضمير. كما تعتبر هذه التجربة الأولى في نظر الأخصائيين هامة جدا لأنها ستشكل الحياة الجنسية للكهل مستقبلا بما يدعو إلى الإحاطة بالمراهق لكي يعيش التجربة الأولى بطريقة لا تؤثر فيه نفسيا مستقبلا.

إحدى الفتيات التي طلبت منا عدم ذكر اسمها أو ربما تكون قد أمدّتنا باسم خاطئ تحدثت عن تجربتها الأولى وقالت إنها لا تتذكر منها سوى شذرات من ألم: "كل ما أتذكره أن الخوف كان يمزّق أحشائي والشك كاد يقتلني وقتها... كان شكّا في كل شيء وفي لا شيء وبعدها استسلمت إلى الألم الجسدي والنفسي..."

الفتيات في هذه التجربة الأولى قلما يشعرن بالمتعة على خلاف الشبان. ذلك أن الجنس بالنسبة للفتيان يمثل وسيلة للتعبير ولإظهار مدى قوتهم ومكانتهم وخاصة مدى قدرتهم على التحرّر من رقابة الأهل، في حين تعتبر هذه التجربة بالنسبة إلى الفتيات مصدر ألم وانتقال من عالم براءة "الطفولة" إلى عالم النساء...

تلك هي التجربة الأولى يخوضها الشباب التونسي -حسب إحصائيات الدراسة المذكورة أعلاه- في السن المتراوحة بين 16 و17 سنة بالنسبة إلى التجارب الجنسية السطحية و18 سنة بالنسبة للممارسة الجنسية الكاملة. وحتى في هذا الخصوص فإنّه ممّا يلاحظ أن العلاقات السطحية لا تعدّ مصدر خوف بالنسبة إلى شبابنا، حتى أنّ نسبة هامّة منهم لا تستعمل وسائل الوقائية من الأمراض المنقولة جنسيا، إذ أن 47 % من الشباب يعتقدون أن الوسائل الوقائية ضارة بالصحة، وهذا موضوع لآخر يستوجب أكثر من مراجعة لمدى جدوى الحملات التحسيسيّة.

بقي أن نشير إلى أن 3 % من الفتيان لا يحدّد سن التجربة الجنسية الأولى، في حين أنّ 9 % من الفتيات يتذكرن سنّهن في تلك المرحلة. وهذا في الواقع قد يضيء بعض الضوء على اختلاف تمثلات الجنسين لمسألة رؤيتهما للجنس والتعامل معه واستبطان ما يمكن نسيانه أو السكوت عنه...