الخميس، 6 نوفمبر، 2008

شذرات من الواقع الكويتي1


"سامح الله التكنولوجيا والتقدم العلمي"
كانت ساعة الكون تشير إلى ما بعد منتصف الليل وتتزامن مع موعد المسلمين وصلاة الصبح، وكانت ساعتها تشير إلى ما بعد ألم الضرب والشتم فتشرف على موعد لها مع حياة جديدة وتتزامن مع قطرة أفاضت الكأس عندها.
لم تعد لتحتمل، كان ذلك في يوم كانت فيه على مشارف فتح صفحة بيضاء معه وتنسى ما لا يُنسى، لكن تعمده إذلالها في تلك الليلة إلى حد السلخ وضربها إلى حد الموت كان كفيلا بأن يربك حسابات العائلة والعرف والتقاليد لديها.
من أنفها، سال الدم سيلانا محرقا مفزعا ولا تكترث له... شريدة الذهن ظلت لوقت ليس بالطويل أو القصير لم تعد تتذكر... تخمّن... وقتها فقط لملمت ما تبقى لها من رباطة جأش، في محاولة منها لإنقاذ ما تبقى من آدميتها وقرّرت ألا أحد بعد ذلك اليوم يقرّر بدلا عنها ويأخذ بزمام أمورها، قالتها "لن أعود إلى بيته، كرهته كره الشيطان للخير" أمام أيادٍ كانت تعلوها وتنزل كالصريمة على جسدها الصغير، غير مبالية بنظرات حارقة وأصوات تعلو صوت آلامها...
وكان قرارها الرجوع إلى أهلها بلا حقائب..بلا جواهر، لكن بآلام وجروح لا تحصى وتخالها لن يستوعب الزمن هضمها ونسيانها... قد تكون لا إرادة حكمتها يوم قبلت الزواج، كانت حينها تحاول إرضاء أهل همّهم الوحيد جمع شمل العائلة وتشتيت أحلامها وتعتبر من غيرها ممّن لم تسمعن كلام «العُودْ».
لكن يومها واليوم وكل أيامها المقبلة قررت وتقرر وستقرر بألا تسمح بأن تكون آلة يفرغ فيها البعض، رغم قرابتهم الشديدة منها، مخزونا ثقافيا لسنوات من الشدة والقسوة والسيطرة إلى حد التسلط والظلم...
كانت بكلماتها تلك تنتقد تصرفات أهلها وموروثا ثقافيا كاملا تتستر خلفه عائلة، همها الوحيد أن تزوج فتاة لا هم لها في الدنيا غير عيش آمن بعيدا عن مُعنّف لا وازع يردعه.
كانت كلماتها خليطا من الألم والقوة، تروينا إياها بإسهابٍ... بتداعٍ حرٍ ...بغضبٍ ...بلا مبالاةٍ ...بعزة نفسٍ ولا تروي حديثها ببكاء أنثوي رغم مرارة ما كان يسري داخلها ولا يهتم به الجميع، كانت محدثتنا مرام فتاة تحترم الكل غير أن الكل - في اعتقادها - داس عليها أمام إرضاء شكل اجتماعي تمقته إلى حد الغثيان ولا تنسى وقعه عليها.
هي اليوم في بيت عائلتها تعود خائبة من امسها ومن يومها وفرحة بحال أفضل من حالٍ، عاطلة عن العمل، لا شهادة جامعية تخفّف عنها وطأة المصيبة... وتندم، هي اليوم على أيام دراسة انقطعت عنها مبكرا... تتمنى عودتها لمقاعد هجرتها نفوراً أمس... ويصعب عليها تحقيق هذه الامنية على بساطتها من منظورنا ومستحيلة من منظورها.
قد تغري بعض الفتيات منا أهازيج الفرح وفكرة الزواج في حد ذاتها، وقد ترى بعض عائلاتنا في الزواج حماية ومستقبلا يغني عن الدراسة، لكن النماذج الاجتماعية تفند بنسبة كبيرة هذه الاعتقادات، مرام هي واحدة من بين هؤلاء الكثيرات... التحاقها بصف الدراسة من جديد يخيفها، ولا يخيفها التحاقها بصف المطلقات بقدر ما كان يخيفها إلى حد الرعب صوت مفتاحه يدخله في مكانه من الباب... فيسقط على الأرض في غير توازن بفعل الصهباء...
ويعيد هو الكرة ويعيد المفتاح عملية السقوط في بلاهة وفي سخرية من الظرف، إلى أن تسرع في استسلام المغلوب عن أمره، المداري للفضيحة... وتفتحه فيدخل متعثرا في هدوء السارق المختلس ويخيفها إلى حد الموت ولا تموت...
ويبقى ليشتمها ويشتم اهله...يلعنها ويلعن يوم زواجه بها... يضربها ويضرب الامثال عن جمال فتيات الكليبات ولا يجده عندها... ويقهقه عجعاجا كالأبله... كالشيطان... كالمارد، ولا يكترث وينام... وينسى
ثم يكرر من جديد عذابات بلا مبرر، بلا مقدمات. اليوم، هي تكره الرجال والزواج والضرب... والتسلط... والعنف... والخمرة وأمس.
أمس، كان بالنسبة إليها محط معارك دامية بينها وبين من رسخ لغة الضرب والعنف والاستخفاف صراطا سار عليه ويسير عليه شباب كثيرون في الكويت وفي غيرها من الدول... كذلك يكون العنف الزوجي ورماً لا يعرف الحدود!
اليوم، تنظر إليه بكل أمل وتفاؤل لعل الزمان كفيل بأن يمسح دمعا لم ينزل على وجنتين ورديتين فشل الألم في نزع نضارتهما. هي اليوم، تلعن التلفزة ونجمات الكليبات...
تلعن الانترنت ومواقعه الممنوعة صوريا... تكره التكنولوجيا وما فتحته من مجال أمام الكثير للعبث... تكره الشارع وما فيه من فتيات يعرضن مفاتهن أمام أعين تشرئب للاستمتاع المجاني...
تكره مخالطة أصدقاء السوء وما هم بأصدقاء... تجتاحها موجة من الالم... من الكره... من الحقد طوفانا...
بركانا ينفجر ولا ينضبُ... كررت مرات كثيرة "سامح الله التكنولوجيا والتقدم العلمي" وتسترجع الذكرى...
وتألم لنفسها... وتُرجعنا إلى حكايتها وقد صعُب عليها البدء من جديد...
كان مجيئه ليلا متأخرا وضربه المبرح كفيلين بأن يجعلا الألم لديها يتجاوز كل القرارات، لم تعِ إلى ذلك اليوم أن ما ادخرته من كرامة طيلة عقدين كاملين استطاع ابن عمها أن يجعلهما حطاما يدوس عليهما يوميا، كرهت كلمة "اصبري" و"عيب" وكل الكليشيهات المنطوية تحت مثل هذه الكلمات، كرهتُها وكرهتُ "قائلوها"، وأحببت حياتي اليوم، بلا صراخ ، بلا ألم، بلا رائحة خمرة تغشيني، وسأنسى.
تلك كانت كلماتها التي أفرغتها لـ"الصوت" بهدوء الآمن، باضطراب المظلوم، بيقين المؤمن باليوم، بارتجاف الخائف من الغد، وتمضي... كذلك كانت يومياتها لم تختصرها إلينا واختصرناها... ونختصرها اليوم في مسائل تبدو غير محددة في الزمن والمكان ولا تعتبر ظاهرة لبلد دون آخر... هي "انقطاع الفتيات عن الدراسة في سن مبكرة"، "العنف الزوجي"، "الزواج بالإكراه" "سوء استعمال التكنولوجيا بأنواعها" "الإدمان"، كلها مسائل لا تعرف الحدود الجغرافية أو الزمانية كما الألم...