الأحد، 21 ديسمبر، 2008

حتى الجانب الإنساني طارده شبحها

المساعدات الإنسانية تغرق في نفق الأزمة العالمية المظلم
بعد أن طالت تداعياتها القطاعات الاقتصادية كافة، بحيث لم يسلم أي قطاع من تأثيراتها السلبية، دقت الأزمة المالية العالمية هذه المرة باب المساعدات الإنسانية. وضعت الأزمة المالية العالمية في أحضانها بعضا من التركة الثقيلة التي حملتها للاقتصاد العالمي برمته لتدق به جدران المساعدات الإنسانية، حيث تشير التوقعات إلى أن الأزمة المالية ستؤثر بشكل كبير في التمويل الإنساني وبالتالي ستنخفض المساعدة الإنمائية الرسمية بما يقترب من الثلث أو أكثر، بحسب المحللين. هذا إلى جانب قيام بعض أكبر المنظمات غير الحكومية العاملة في المجال الإنساني والتنموي حالياً بتقليص عدد موظفيها أو مراجعة برامجها لعام 2009 مع انكماش مواردها بسبب الأزمة.
نصف حجمها من "الأوروبي" 117 مليار دولار حجم المساعدات الانسانية في 2007 طبقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد بلغت المساعدة الإنمائية الرسمية العالمية من جميع الدول المانحة 117.576 مليار دولار عام 2007. ويعتبر الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء البالغ عددهم 27 دولة أكبر مقدم للمساعدة الإنمائية الرسمية حتى الآن، حيث يقدم الاتحاد نصف مبلغ المساعدات العالمية. وكانت المساعدة الإنمائية الرسمية قد انخفضت في عام 2007 إلى 46.1 مليار يورو (59.4 مليار دولار) أو 0.38 في المئة من إجمالي الدخل القومي العالمي في عام 2007 من 47.7 مليار يورو (61.4 مليار دولار) أو 0.41 في المئة من إجمالي الدخل القومي العالمي في عام 2006.
تباطؤ نمو البرامج
وفي سياق متصل، أفاد خبراء جمع التبرعات في 3 من أكبر المنظمات غير الحكومية في العالم وهي منظمة أوكسفام البريطانية، ومنظمة إنقاذ الطفولة - المملكة المتحدة، ومنظمة وورلد فيجن- الولايات المتحدة، أن نمو البرامج سيتباطأ في عام 2009 نتيجة للضغوط المالية المتولدة عن الازمة. وكانت "أوكسفام" قد وضعت تصورات لنمو مقداره 5 إلى 6 في المئة خلال عام 2009 - 2010، ولكنها قامت الآن بمراجعة تلك النسبة وعدلتها إلى صفر في المئة. انخفاض المصاريف نتيجة لاستشراف بعض الخبراء لواقع ومستقبل المساعدات الانسانية الذي يشير إلى انخفاض معدلها، تقوم منظمات الإغاثة حاليا بكل ما تستطيع لمنع تأثير الانخفاض في التمويل على المستفيدين، حيث أشار جون شو من "أوكسفام" في تصريح إلى شبكة الأنباء الإنسانية، إلى محاولة المنظمة خفض المصاريف في مجال الدعم وليس في تكاليف البرامج، مقدرا نسبة الانخفاض بما يتراوح بين 10 و15 في المئة من المصاريف المتغيرة، بما في ذلك موظفو المقر الرئيس والمكاتب الإقليمية لخلق عمليات فعالة من حيث التكلفة.
وفي الوقت الذي لم يروا فيه تخفيضات جوهرية في التبرعات الفردية، يتوقع الخبراء الماليون للمنظمات غير الحكومية انخفاضاً محتملاً مع اقتراب موسم جمع التبرعات في الأعياد، حيث قالت مديرة التبرعات في منظمة إنقاذ الطفولة في لندن تانيا ستيلي: "لقد قمنا بتوزيع كروت تبرعات عيد الميلاد...
وهذه العطلة ستكون اختباراً حقيقياً لحالة شد الأحزمة"، لافتة الى أن بعض أكبر التخفيضات في التمويل يأتي من الشركات المانحة في القطاع المالي، مضيفة، إن "انخفاض التمويل المقدم من الشركات بدأ منذ 6 إلى 9 أشهر".
وأردفت، إن "قطاعات البنوك الاستثمارية والخدمات المالية كانت كريمة جداً في العام الماضي، ولكننا نعرف أن العام المالي المقبل سيكون صعباً عليهم. كما نتوقع أن يكون التمويل المقدم منهم في أقل الحدود، ومن المحتمل أن يتضاءل مع دخول عام 2009".
انخفاض التمويل يوقف البرامج
من جهته، قال مدير الدعوة والعلاقات الحكومية في "وورلد فيجن" روبرت زاتشريتز، لشبكة الأنباء الإنسانية (إرين) من العاصمة الأميركية واشنطن: "لن يكون نمو التمويل المقدم من الشركات كبيراً، ولذلك فلن نقوم بزيادة عدد برامجنا كما كنا نود أن نفعل". بدوره، كشف مدير التمويل ونظم المعلومات في "أوكسفام" البريطانية جون شو لشبكة (إرين)، أن "النمو الذي افترضناه عندما قمنا بوضع الخطط منذ عام مضى لم يتحقق".
الى ذلك، قال الخبير الاقتصادي لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي برت هاوس لــ"إرين": "لدينا قلق عميق حيال مستقبل المساعدة الإنمائية الرسمية.
ففي فترات سابقة من الركود الاقتصادي والاضطراب في الأسواق، انخفضت المساعدة الإنمائية الرسمية العالمية في بعض الأحيان إلى حوالي 40 في المئة من قيمتها المقررة سلفاً".
ونتيجة لذلك لن تتمكن منظمات غير حكومية، مثل إنقاذ الطفولة، من القيام باستثمارات كبيرة في البرامج القائمة أو البرامج الجديدة كما كانت تأمل. المساعدات الحكومية مصدر رئيس وتعتبر المساعدات الحكومية الرسمية المصدر الرئيس لتمويل معظم وكالات الأمم المتحدة، على الرغم من أنها لا تمثل نفس القدر بالنسبة للمنظمات غير الحكومية.
فعلى سبيل المثال، بلغت المساعدة الإنمائية الرسمية أكثر من 70 في المئة من موازنة اليونيسف البالغة 3 مليارات دولار عام 2007، في حين تلقت منظمة كونسيرن ورلدوايد من الحكومات والممولين الشركاء ما يعادل 48 في المئة فقط من موازنتها لعام 2007 والبالغة 116.3 مليون دولار، و48 في المئة أخرى من التبرعات العامة والقطاع الخاص، والنسبة الباقية جاءت على شكل تبرعات عينية. ويدرس خبراء المساعدات الإنسانية حالياً أنماط التباطؤ والركود الاقتصادي في الماضي من أجل الاسترشاد بها، وتختلف تصوراتهم باختلاف المنظمات ومصادر تمويلها.
قلق وتفاؤل
في مقابل النظرة التشاؤمية التي تشير الى انخفاض التمويل الانساني، تبرز اخرى اكثر تفاؤلا وايجابية، حيث لا يتوقع الجميع انخفاضاً كبيراً في المساعدة الإنمائية الرسمية، مستدلين على ذلك بارتفاع التمويل الأميركي في عامي 2001 و 2002 رغم فترة الركود الاقتصادي التي ارتبطت بإفلاس شركات التجارة الإلكترونية والتي استمرت 8 أشهر عام 2001. وفي هذا السياق، لفت مستشار الاتصال وتطوير الأعمال في صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة أنتوني دي جانغ، في تصريح خاص لـ"أرين"الى انه "لم نر أبداً تأثير ذلك في موازنات المساعدة الإنمائية الرسمية... ولكن بالطبع نحن قلقون".
من جهته، بيّن الباحث في مركز التنمية العالمية Center for Global Development ديفيد رودمان، وهي هيئة استشارية مقرها واشنطن لـ"أرين"، أن "كل أزمة مالية وقعت في دولة مانحة منذ عام 1970 كانت متبوعة بانخفاض في مساعدات تلك الدولة".
وأشار رودمان إلى أن المساعدات الفنلندية انخفضت بنسبة 62 في المئة خلال الأزمة الاقتصادية في فنلندا في بداية التسعينات، بينما انخفضت المعونة اليابانية بنسبة 44 في المئة خلال أزمة اليابان الاقتصادية التي استمرت عشر سنوات. واكد انه "بالطبع من المبكر جداً التكهن بأي شيء فنحن لا نعرف إلى أي مدى ستسوء الأمور.
ولكنني شخصياً أرى أن الأزمة في اليابان كانت خطيرة جداً، وبالمثل كانت الأزمة في فنلندا، بينما واجهت السويد والنرويج مشكلات أقل في بداية التسعينات، وتخميني هو أن الدول المانحة ستكون في موقف بين هذين الطرفين". ضبابية تأثير الازمة في السياق نفسه، قالت المتحدثة الرسمية باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ستيفاني بنكر لـ"إيرين": "كنت أتمنى لو أن لدي المزيد من الإجابات.
فالجميع يريدون المزيد منها حول هذا الموضوع". وأضافت قائلة: "نحن قلقون بدون شك. لدينا افتراضات بأنه قد يكون للأزمة المالية بعض التأثير ولكن ليس من الواضح بعد ما هو هذا التأثير". تجدر الاشارة إلى انه حتى الآن لم ترد تقارير من أي من وكالات الأمم المتحدة عن تباطؤ في المساهمات المقدمة من الدول، كما لم تتبلور أي فكرة واضحة عن التأثيرات المحتملة. آفاق مستقبلية غامضة وفي حين يتفق الخبراء حول العالم على إمكانية الحصول على أموال جديدة في حال حدوث أزمة في الأشهر المقبلة، تبدي تانيا ستيلي من منظمة إنقاذ الطفولة قلقاً من احتمال أن تتأثر بعض الأزمات المزمنة والمهملة كما هو الحال في جنوب السودان.
ويشاطر ستيلي بالرأي منظمة وورلد فيجن التي تخشى من أن يتعرض المستفيدون من برامج القروض الصغيرة على وجه الخصوص كالفلاحين الفقراء الذين يتلقون قروضاً لشراء المعدات والبذور والأسمدة لضربة موجعة، حيث أشار روبرت زاتشريتز من وورلد فيجن إلى أن "الكثير من ذلك يعتمد على الحصول على قروض من البنوك، وهو ما سيكون تحديا حقيقيا في المستقبل القريب"،مشددا على أن "خسارة هذه القروض تعتبر مشكلة كبيرة لمزارعي العالم الفقراء".
التزام دول وتهرب أخرى
على الرغم من توجه بعض الحكومات والدول الى تخفيض حجم مساعداتها الانسانية بفعل الازمة، الا ان هناك بعض الدول لا تزال محافظة على التزاماتها كالحكومة الاميركية التي وبحسب زاتشريتز سيبقى تمويلها على المستوى نفسه الذي كان عليه في عام 2008، عازيا ذلك إلى أسباب عدة، منها أن دورة التمويل تبدأ من أكتوبر 2008 إلى نهاية سبتمبر 2009، وأنه عام الانتخابات، كما أن الكونغرس قد وافق على قرار يقضي بالحفاظ على ثبات التمويل الحكومي الأميركي. بالاضافة الى ذلك تتعهد بعض الحكومات بالوفاء بالتزاماتها، حيث بلغت المساعدات الإنسانية الكلية للنرويج 2.459 مليار كرون (425 مليون دولار) في عام 2007 مقارنة بـ 2.588 مليار كرون (447 مليون دولار) في عام 2008، في حين ستبلغ قيمة المساعدات 2.445 مليار كرون (422 مليون دولار) في عام 2009. ويرجع السبب في انخفاض قيمة المساعدات في 2009 إلى تغيير فني في الموازنة.
النرويج دولة مانحة اساسية
وقال مستشار وزارة الخارجية للشؤون الإنسانية سيغفالد هوغ، لـ"أرين"، إن "إجمالي موازنة المعونات الإنمائية النرويجية بما في ذلك المساعدات الإنسانية سيصل إلى واحد في المئة من إجمالي الدخل القومي في عام 2009 وذلك للمرة الأولى". وأضاف، "هناك إجماع كبير بين المواطنين النرويجيين وبين الأحزاب على أن النرويج ستكون دولة مانحة أساسية في المجال الإنساني. وما لم يقرر البرلمان خلاف ذلك عندما يصوت على الموازنة الحكومية في ديسمبر، فإننا لا نتوقع أن يصبح الخفض في المساعدات ضرورياً".
استراتيجيات المنظمات غير الحكومية
امام هذا الواقع المؤلم والمأساوي الذي ينذر بالمزيد من الاوضاع الانسانية المزرية، تحاول المنظمات غير الحكومية ابتكار طرق جديدة للخروج من الضائقة المالية، كأوكسفام التي تستهدف زيادة التمويل من المؤسسات المانحة، والتي ينظر إليها كمصادر أكثر ثباتاً على المدى الطويل، ومنظمة إنقاذ الطفولة التي تحاول استخلاص المزيد من التمويل من الأفراد الأثرياء. وفي هذا المجال، اشارت تانيا ستيلي الى انه "ستكون هناك سوق تنافسية ولكنني لا أستطيع أن أُصدق أننا لن نحقق نمواً في فترة أربع إلى ست السنوات القادمة. هناك بعض الدلائل المشجعة في ظل حالة عدم اليقين السائدة، وتقوم المؤسسات المانحة الرئيسة مثل وزارة التنمية الدولية البريطانية أو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بتبني تصورات طويلة الأجل. ونحن لا نرى أي مؤشرات عاجلة تدل على أنهم سينسحبون".
ولكن جون شو أفاد أنه من المبكر القول بأن تلك الاستراتيجية سوف تدوم "وفي نهاية الأمر فإن التمويل الحكومي سيتوقف على محاولة الحكومات تحقيق التوازن بين موازناتها وسياساتها، ولذلك فإنه من المبكر جداً التكهن بالنتائج ولكن التعهدات التي قُطِعَت حتى الآن تبشر بالخير". أما روبرت زاتشريتز من وورلد فيجن فقال أن منظمته محصنة بدرجة كبيرة من تخفيض تمويل الشركات لأن الحجم الأكبر من تبرعات الشركات للمنظمة يأتي في صورة هدايا عينية، وبعبارة أخرى يأتي في صورة دواء وملابس ومواد بناء وليس أموالاً.
علاوة على ذلك، فإن المنظمة تعتمد في كفالة الأطفال على الكثير من التبرعات الفردية. وأردف روبرت قائلاً: "الناس مخلصون جداً لتلك القضية وعادة لا نرى انخفاضاً في تمويلهم حتى في الوقت الذي تمر فيه الأسر بصعوبات مالية". تجدر الاشارة الى ان الامم المتحدة كانت قد طلبت في 19نوفمبر الماضي خلال إطلاق عملية المناشدة الموحدة CAP في جنيف، الحصول على مبلغ
7 مليارات دولار
وهو أكبر مبلغ تطلبه حتى الان لمساعدة 30 مليون شخص في افريقيا والشرق الأوسط في عام 2009.
وتجمع هذه المناشدة 360 منظمة أممية ومنظمة غير حكومية تعمل في 31 بلدا معظمها في افريقيا. 7 مليارات تشكل بضعة سنتات وقد شكل المبلغ المطلوب لكل من جمهورية الكونغو الديموقراطية والسودان والصومال اكبر جزء من المناشدة، حيث جرى طلب 831 مليون دولار للكونغو التي تعاني منذ اكثر من عقد النزاع ومبلغ يفوق الملياري دولار لتمكين الامم المتحدة ومنظمات الاغاثة من مساعدة السودان، و919 مليون دولار للصومال الذي يمزقه العنف ويضربه الجفاف.
وتعتبر الولايات المتحدة والمفوضية الاوروبية والسعودية من اكبر الدول الممولة لمناشدة عام 2008، في حين جاء السعوديون في المركز الاول من حيث نسبة المساعدات من الناتج المحلي الاجمالي، اذ انفقوا 16،0 في المئة من دخلهم القومي على المساعدات. وتشكل الـ7 مليارات التي جرت المطالبة بها بالنسبة للدول الغنية بضعة سنتات فقط مقابل كل 100 دولار من دخلهم القومي.