الأربعاء، 29 أكتوبر، 2008

شذرات من الواقع الكويتي 3

الكـرامــة بعد الخــبـز أحــيانــاً
في غياب بريق طفولة مزقها اليومي، وجدتها بزيها الرسمي تقف أمام طاولة أكل، كل من حولها كان جالسا يمارس فعل الأكل والتحدث والضحك حد الاختناق...انتظرت جلوسها ...وانتظرت أن يسمحَ لها بممارسة تلك الأفعال البسيطة الروتينية التي يقوم بها بنو آدم. طالت النظرات مني... كنت أرسلها في البدء خلسة... وتطورت لتكون مستمرة وعلى مرأى من أصحاب الصحون الملأى والكراسي الفاخرة أرسلها كما البرق تشعه السماء غضبا وحنقا.
وانتظرت... وانتظرت... ارتد بي البصر لهبا لفشل الرؤية أن ترى أو تستوعب ما يحدث ولا يبالي به أصحاب الكراسي الفاخرة. كانت فتاتي واقفة بملابسها تلك التي تفضح وظيفتها في الكويت.
لم تكترث الفتاة بوقوفها أمام أناس جالسين...اعتادت السلوك ذاته وربما غيره يثير الحرج لديها، اعتادت أن تكون على رأس الجميع، وأقصى ما تحلم به أن يرضى عنها الجميع، لذا تراها تلبي الأوامر بابتسامة ذابلة... فعل الجلوس لم يحرك عند الفتاة إحساسا سلبيا على الأقل ظاهريا...
كان مجيء الأكل فائح الرائحة يبعث على فتح شهية أي إنسان، ولأنها إنسانة، أثارت الرائحة شهيتها، ولأنها من الخدم نسيت لبرهة أنه من حقها فقط - في عرف أصحاب الصحون - أن تبصر وألا تشتهي ما يوضع أمامها ويدغدغ غريزة حب الأكل فيها... كان منظرها وهي تنظر إلى الصحن يوضع أمام الجميع ولا ينزل أمامها يثير الشفقة إلى حد الألم.
كل شيء كان أمامها لا تمد يدها إليه إلا لترفعه إلى فم بنت تنغمس في اللعب، وتأبه دلالا أن تأكل في شيطنة الصغار... كانت شريدة الفكر تتلذذ خلسة برائحة الأكل تداعب أنفها الصغير لتستيقظ على صراخ بنت الثالثة تطلب الماء... استفاقت البنت توزع حواسها بين نظرات ترسلها إلى الصحون الملأى أكلا وبين نظرات حانقة تلهبها بها بنت الثالثة لظى... تنظر واجمة كالممتلئ بكاء ولا ينفجر خوفا ورضا غصبا وأذى،
كان البكاء إليها أمرا محظورا كانت قد نسيته منذ وطأت أقدامها البلد... والمنازل.. تتوجع يوميا مرات كثيرة... قد تتمناه أحيانا قليلة... لكنه لا يستجيب لها وقد تخلت عنه إلى ما لا عودة إليه... يشيع الألم مني وأنا أنظر ويمتد بي بلا حد حتى ظننته استوطنني إلى ما لا رجعة لابتسامتي بعده...
هممت بالنهوض لأثأر لعينين لم أفقه معنى بريقهما... لكن عجزي وقلة حيلة ذات اليد منعاني غصبا من الدفاع عنها وجعلاني أرتجف كما يرتجف القط المبتل في يوم قطبي شديد البرودة إلى حد التثلج، حالة من البرود تملكتني...وجعلت الأفكار تنساب من فكري إلى نفسي... وقتها جالت بفكري أمور خلتها اقرب إلى التفلسف من التعقل واستوت الأضداد أمامي، فهي كما البحر الساجي، هممت بأن أنصرف إلى العائلة يكسوها رداء الوقار...
لكن ابتسامة البنت خذلتني...سرعان ما أزاحت عن وجهها البريء رداء الحزن وعقبت تجري وراء طفلة الثالثة تمسكها بفرح وترجعها إلى الطاولة... كان ذلك الانقلاب الفجائي فجائيا...جعلني أشعر للمرة الثانية بالعجز عن الفعل والفهم... كان مشهد البنت في البداية وهي واقفة واجمة أمام الأكل ولاد لعدة أفكار ارتمت أمامي كالصحراء البيداء...
يذكرني بالمواثيق الدولية... ومناداة الديانات السماوية والوضعية والأعراف بالحفاظ على كرامة الإنسان... كانت البنت على الرغم من كل ذلك تبدو سعيدة بالقليل الذي خصها به القدر من منظورنا.. والكثير من منظورها...
سعيدة وهي تمسك الطفلة وتعيدها إلى مكانها وتتولى بنفسها مهمة إطعامها...سعيدة صارت وهي تجعل الأمن يستتبّ حول الطاولة...وتسعد أكثر حين تلاحظ ملامح الرضا ترتسم على وجه أفراد العائلة...
كانت هادئة إلى أبعد الحدود...مطيعة إلى أبعد الحدود...حنونة إلى أبعد الحدود... وإلى أبعد الحدود كانت بحنانها تفند مقولة فاقد الشيء لا يعطيه...
استتبعتها إلى الحمام لإرضاء فضول آدمي تملكني، تناوبت الحديث معها ...كانت تلوك الكلمات في لكنة آسيوية تشعرك بأنها تستهزئ من وضعها... من ألمها بالتجاهل والأمل في غد تأمله ورديا...
لا تستطيع أمام يومها بكل ما هو حافل به أن تتصور أن تغيره، ترضاه لنفسها وتتمناه لعائلتها، أمام كل ما نستشعره من إهانة لها ولإنسانيتها تعيش البنت حياة سعيدة، سعادة ترسلها من تحت دموع جامدة توقفت عن النزول في غير إرادة المرتضي... كانت حياتها على ما تعيشه ترضيها، هادئة لا صخب فيها غير صوت قد يعلو من فترة لأخرى...
تلك البنت البسيطة استطاعت ببساطها أن تستوعب ما لا قد يستوعبه الكبير منا، المثقف منا، الذكي منا، فهمت اللعبة كالسياسي المحنك واعتكفت على الصمت وقبول الآخر بصراخه، بأوامره في سبيل لقمة العيش والحياة الأفضل من تلك التي كانت تعيشها في موطنها، رغم كل شيء...