الجمعة، 12 ديسمبر 2008

مراهقات القرن 21 يستمتعن بكتب الرعب والخيال العلمي

"الصوت" رصدت الولع الجديد الفتيات يقبلن على "حافة" الرعب
و
"موسوعة الظلام" لا تخيفهن
الهوس الجديد أسقط قصص الرومانسية بالضربة القاضية
كان حشدهن اليومي أمام جناح كتب الرعب والخيال العلمي طيلة أيام معرض الكويت الدولي للكتاب لافتاً للانتباه، يقفن ويتصفحن ويشترين الكتب مستمتعات بما يقمن به، هن عينة من مراهقات الكويت اليوم.
تتحدث مع الواحدة منهن فسرعان ما تكتشف أن قصص الحب والرومانسية لم تعد أمورا تثير متعة بعضهن، الحب والرومانسية كلها علامات خاضعة للعادي من الحياة أو موضة قديمة تآكلتها أقلام الكتاب ونفر منها القراء، اليوم كتب الرعب والخيال العلمي والماورائيات تتصدر قائمة المبيعات في المعرض منذ اكثر من خمس سنوات.
الضربة القاضية
هي منافس من الدرجة الأولى استطاعت أن تطيحها بالضربة القاضية لتفوز بامتياز بقلوب بعض مراهقات القرن الواحد والعشرين، "الصوت" في هذا التحقيق تحاول أن تلامس التغيير الحادث لدى بعض المراهقات في الممارسات والأفعال من خلال محاولة تبين انعكاسات مفهوم الرعب والمتعة من خلال المطالعة.
فما هو ميول المراهقة الكويتية اليوم؟ وما أسباب الالتفات إلى أدب الرعب؟
وما رأي الأسرة والمختصين في هذا التوجه؟
انتصار الرعب على الرومانسية
"عيالنا صاروا ما يخافون، كل شيء عندهم عادي يتفرجون على أفلام الرعب عادي، إحنا في زمانهم نطالع الكتب الرومانسية ولما نشوف فيلم رعب نفضل ما ننام أسبوع وهم عندهم عادي"، هذه الجملة الواردة على لسان إحدى الأمهات تنم عن وجود مفارقة شاسعة بين مراهقات زمان ومراهقات القرن الواحد والعشرين.
مفارقة تنبني بالأساس على تغيّر في مفهوم المتعة والرعب.
وبالرجوع إلى الموروث الموغل في القدم والموروث المخضرم نجد أن متعة الفتاة المراهقة لا تتجاوز التعلق بقصص الحب والرومانسية، ومن ثم الحلم بفستان أبيض وفارس يأتي راكبا جواده، حتى البرامج الكرتونية كانت تتعلق بالأساس بهذه المضامين، هذه الأدوات من كتب وأفلام كانت كفيلة لتحدث المتعة وبالتالي فعل الحلم والرومانسية وتؤسس لخيال رومانسي.
على ما يبدو واستنادا لأقوال الأمهات وبعض مراهقات اليوم الأمر اختلف، لم تعد المتعة عند بعضهن تتحقق بمطالعة الروايات الرومانسية والمسلسلات ذات النهاية السعيدة، بل أصبح مصدرها أفلام الرعب والخيال العلمي بدرجة أولى -كرتونية أو غيرها- ثم أدب الرعب والخيال العلمي بدرجة ثانية.
ما يجعلنا نلاحظ تحولا ملفتا في مفهوم المتعة وبالتالي في مصدرها من جهة، وتحول في مفهوم الرعب والإحساس به من جهة أخرى، فبعدما كان الرعب حدثا يثير الخوف الشديد أصبح اليوم دافعا يثير المتعة، وتحول ثالث من الخيال الرومانسي إلى الخيال العلمي.
وهذا قد يعتبر مؤشرا يشي بتغيّر في ميول المراهقة بين الأمس واليوم. هذا الاختلاف بحد ذاته، من دون اتخاذ موقف منه، قد نعتبره منطقيا باعتبار أن رؤى الفرد وملامحه تتغير من جيل إلى آخر وقد تطول أدق الجزئيات التي قد لا ينتبه إليها البعض وينتبه إليها الكثيرون، معلنة عن مدى اتساع الفجوة بين الأجيال على مستويات عدة، ومعبرة عن تباعد منطقي يفرزه قانون التطور. من هذه النقطة بالذات يمكن لنا أن نعرف مدى ارتباط الزمن بالأفراد ومدى تغير اختياراتهم وميولهم.
عالم آخر
تحب نور فتاة الثانية عشرة مثلها مثل صديقاتها هذا النوع من الكتب لما تقدمه لها من مواضيع غريبة لا تتعرض إليها في واقعها اليومي، وفي الوقت نفسه مثيرة إلى درجة أنها تجعلها تعيش في عالم آخر.
عندما تنضم الغرابة إلى الإثارة تتحقق المتعة لدى أحباء هذا النوع من كتب المطالعة.
"فشباب اليوم يحبون استكشاف المفقود أمامهم، هم مستعجلون على معرفة المستقبل والحديث عن الماورائيات يستهويهم إلى درجة كبيرة"، كذلك تحاول أم نور أن تفسر لنا سبب تلهف الشباب على هذه الكتب، "فغريزة حب المعرفة واكتشاف المجهول تشتغل بصفة مكثفة عندهم".
معرفة المجهول
تساندها في الرأي إحدى الأمهات مضيفة أن "الرغبة في معرفة المجهول بالنسبة إلى هذا الجيل يعدّ أمرا فطريا باعتبار أنه في هذه السن يحاول الاستقلال بشخصيته وبالتالي تبدأ عملية النضج الفكري لديهم"، وتشير إلى أن الموهوبين تبدأ العائلة في اكتشافهم انطلاقا من هذه السن.
الخوف لا تشعر به هاويات هذا الأدب، فقط المتعة هي وحدها التي تكتنفهن.
قصص الرعب "حلوة وايد"
حلا واحدة من بين الكثيرات اللائي تحدثنا معهن، كم مرة تمنت أن يطول يومها إلى أكثر من 24 ساعة لتتم فيه مطالعة القصة... تمسك بالكتاب، تلتهم الكلمات والأسطر فالصفحات حتى تجد نفسها أنهت قراءته مهما كان حجمه وغالبا لا تنام إلا بعد أن تستكمله ولا تدري كيف... فهذا النوع من الكتب "حلو وايد... وايد".
قاسم مشترك كذلك يتفق هواة أدب الرعب والخيال العلمي على تقييمه. هذا الحرص من المراهقات على اقتناء هذا النوع من الكتب أصبح قاسما مشتركا بينهن، ولعله يعدّ سببا لتوطيد علاقتهن كما هو حال محدثتنا إيلاف "أنا وكل صاحباتي نطالع نفس الكتب وربما في أحيان كثيرة أصبحت قاسما مشتركا بيننا وتوطد العلاقة بينناوتفتح أمامنا مواضيع كثيرة للمناقشة"، وتضحك: "نتباهى بعدد الكتب التي نملكها ونقرأها"
الأولى في المبيعات
ليس غريبا أن تحتل كتب الرعب والخيال العلمي لمكتبة ديموند الطارحة لهذا النوع من الأدب المرتبة الأولى والثانية في عدد المبيعات في معرض الكويت الدولي سنوياً إذا ما كان لها قراء على هذه الشاكلة. فقد احتل كتاب عشاق الادريانين المرتبة الاولى هذه السنة محطما رقما قياسيا بما يتجاوز 1300 نسخة.
وفي سنة 2007 احتل كتاب الحافة المركز الأول، حيث بيعت 825 نسخة. وفي سنة 2006 احتل كتاب هادم الأساطير المركز الثاني ببيع 780 نسخة، وفي سنة 2005 حطمت موسوعة الظلام الرقم القياسي في عدد المبيعات 930 نسخة، وتكون بذلك احتلت المركز الأول، وسنة 2004 احتلت قصة خلف أسوار العلم المركز الأول ببيع 800 كتاب. وجدير بالذكر أن أغلب هذه الكتب طبعت منها نسخة ثانية بعد نفاد الطبعة الأولى خلال بضعة أشهر، كما نفدت الطبعة الثانية من بعض الكتب.
ولع فوق السيطرة
أمام هذا الولع الظاهر بكتب الرعب والماورائيات تبقى بعض الأمهات مذهولة ولا تكاد تكتشف السبب الأساسي وراء هذا الولع من دون أن تستطيع الحد منه، السيدة أم غانم لا تتوانى في أن تصطحب ابنتها نور لتختار بنفسها الكتب التي تروق لها من دون أن تكون لها السلطة الكلية على تحديد اختياراتها، "فالحرية حسب رأيها مهمة جدا لصقل الشخصية، على أن تكون مبنية على أسس ومعايير معينة تحددها طريقتها في التربية "، زارت المعرض ولا تجد سوى أن تبتسم أمام كثافة عدد المقبلين على جناح كتب الرعب، "لست أدري ما الذي يجذبهم إلى هذا النوع من الأدب، رغم محاولاتي فهم هذا الانجذاب إلى حد الانسحاب الكلي، فإن عقلي لا يسعفني بالرد المقنع، خليهم ينبسطون"، رغم هذه الحيرة وعدم القدرة على فهم "الظاهرة" تلبي الأم في حالات لا نستطيع أن نتكهن عددها رغبة بناتها وتضعها تحت بند الحرية الشخصية.
حرية الاختيار
هذه النقطة بالذات تؤكدها أم حمد وهي مختصة في علم النفس والجغرافيا، فهي لا تحجر على ابنتها في اختيار كتاب وإنما تمنحها هامشا من الحرية باعتبار أن اختيار نوع كتاب المطالعة يساعد على تنمية الشخصية حسب رأيها، ولئن كانت أم سليمان تأخذ الأمور ببساطة ومن قبيل إرضاء ابنتها والابتعاد عن "وجع الرأس" فإن أم حمد تشتري هذا النوع من الكتب لابنتها عن وعي، معتبرة إياها وسيلة تشبع رغبة الشباب في الاستكشاف والاستطلاع ومعرفة المجهول وفك الغموض على أن تكون في حدود الثوابت التربوية التي أسست عليها باعتبارها لا تثير مسألة الخوف والظلام لمجرد الخوف وإنما تنبني على هدف معين وتستند إلى ثوابت علمية وأدلة منطقية تجعل القارئ يكتسب أسلوب الحجاج والإقناع، وبذلك تقول محدثتنا "أكون قد ضربت عصفورين بحجر واحد، من جهة أشبعت رغبتها في الاطلاع على المجهول ومنحتها فرصة لتتعلم كيف تدافع عن مواقفها بالاعتماد على أدلة وحجج من جهة أخرى، وهذا أمر مهم بالنسبة إلى شخصية الشاب، كل هذه الايجابيات أحصل عليها بمجرد شراء كتاب واحد".
الخيال العلمي في قفص الاتهام
ماذا ننتظر من جيل يستمتع بالرعب وينشأ على ثقافة الخوف إلى حد الرّعب؟ ينبغي علينا أن نطرح هذا السؤال على أنفسنا، وينبغي علينا ألّا نحاسب هذا الجيل على شيء نحن نوفره له، كما ينبغي علينا أيضا ألّا نحاسبه مستقبلا على تصرفاته أو على عدم اكتراثه بالواقع والهروب منه إلى الخيال العلمي، بكل حدة فرضت السيدة أم مازن نفسها وتدخلت في الحديث وهي تستمع إلى إحدى المتحدثات إلينا، بعصبيتها في الحديث، أرادت أن تعفي الجيل الحاضر من مسؤولية "هزاله الفكري" مستقبلا، ملقية اللوم الكلي على العائلة لأنها لا تقوم بدورها -حسب رأيها- في النصح والإرشاد والوقوف وقفة جدية في اختيارات أبنائها، باعتبار أنهم في سن تكون فيها اختياراتهم في أغلب الأحيان غير صائبة وهنا، في اعتقادها، يأتي دور وزارة التربية في مرتبة ثانية في حال عجزت الأسرة عن تقويم الاعوجاج في تربية أولادها، وفي الحالة التي نتحدث عنها ترى أم مازن أن ما يسمى أدب الرعب والخيال العلمي لا يضيفان شيئا إلى تكوين شخصية الطفل وإنما يكسبانه ميولا نحو العنف أو الخوف، وهذا حسب رأيها "لا نحتاجه لأجيالنا المقبلة كدول عربية وإسلامية، وعلينا أن نستفيق ونعيش في الواقع لكي نفهمه ونستعد للعيش فيه، خصوصا أننا في مرحلة صعبة نحتاج إلى مزيد من العلم وليس الخيال العلمي، ومزيد من الثقة وليس الخوف".
اختلاف الرؤى والأفكار
عرضت السيدة أم مازن الأمور من زاويتها الخاصة جعل رد أم هاني أمرا لا يحتمل تجاوزه. "كل الاختراعات ابتدأت بخيال علمي وبفكرة بدت في البداية غير معقولة التنفيذ، وهو لا يعني بالضرورة الخوف أو الابتعاد عن الواقع وإنما تصويره بطريقة مستقبلية، فما الضير لو تركنا العنان لمخيلة أولادنا لكي تحلق في فضاء المستقبل؟ بالعكس نحن بحاجة إلى الخيال العلمي نربي أطفالنا عليه لكي نضع في أذهانهم إمكانية تحويل الخيال إلى علم ويقين، وينبغي علينا ألّا نربيهم على أسس التفكير ذاتها التي تربينا عليها، لكي لا نخلق جيلا متكررا ويجتر نفسه، فلكل جيل ميوله وذوقه وبالتالي طرق التربية"، كذلك كان الرد من أم هاني ردا حانقا، "نحن هكذا دائما نحاول كبت كل ما هو جديد ونفضل التقوقع على أنفسنا، فمن السليم ونحن كما قلت نعيش في مرحلة صعبة، فمن الضروري أن ننفتح على الخيال العلمي لأنه خطوة للانفتاح على الاختراعات العلمية".
كان هذا الجدال العفوي على حدته نوعا ما يشي باختلاف في الأفكار والرؤى حول تربية أجيال الغد، اختلافا لا يعدو أن يكون نتيجة لاختلاف في المنطلقات والمنظومات الثقافية، ولئن كان أدب الرعب والخيال العلمي من جهة، و"الصوت" من جهة أخرى قد ولدا هذا الجدال في معرض الكويت الدولي للكتاب، فذاك من النقاط الايجابية التي بيّنت بوضوح ما يتسم به المجتمع الكويتي من تنوع وتغير طبيعي يفرزه قانون التطور.

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2008

البحرين: التحقيق مع صحفية على خلفية كتاباتها عن سياسة التمييز التي تمارسها الحكومة

ديسمبر / كانون الأول 2008المنامة – البحرين
** البحرين: التحقيق مع صحفية على خلفية كتاباتها عن سياسة التمييز التي تمارسها الحكومة**
** مركز البحرين لحقوق الإنسان– BCHR **
ورد إلى علم مركز البحرين لحقوق الإنسان أن السيدة مريم الشروقي- صحفية وكاتبة في جريدة الوسط- قد تم استدعائها يوم الاثنين الموافق 1 ديسمبر من قبل النيابة العامة والتحقيق معها بتهمة نشرمقال "يضر بالوحدة ويثير الفتنة الطائفية بين المواطنين". وقد قام بالتحقيق مع الشروقي نواف حمزة- رئيس النيابة- الذي قرر تأجيل القضية لحين استدعاء صديقة الكاتبة لتأكيد المعلومات التي وردت بالمقال المشار إليه.
و قد تركز التحقيق مع الشروقي في أقوال ديوان الخدمة المدنية التي اتهمها بإهانة الديوان بعد أن اتهمته بممارسة سياسة التمييز الطائفي بين المواطنين بناءا على انتماءاتهم السياسية، إضافةً إلى الادعاء كذباً وافتراءً بشأن واقعة تقدمها وصديقتها لشغل وظيفة عن طريق ديوان الخدمة المدنية، والحوار الذي دار بينهما وبين الموظفين بشأن التمييز في التوظيف.
و في تصريح لجريدة الوسط، قالت الشروقي انها أخبرت رئيس النيابة بأن:" هناك تمييزاً وتمايزأ وأنها سياسة مطبقة فعليا", و استطردت قائلة:" ذكرت تجربتي الشخصية في التقديم لوظيفة مع صديقة لي في مكتب الخدمة المدنية".
وصرح نبيل رجب- رئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان- أن:" مقاضاة الصحفية مريم الشروقي تعد مثالا آخر لتدهور مستوى حرية التعبير والصحافة في البحرين وضيق صدر السلطة عند استماع منتقدي سياستها".
و أضاف رجب:"يجب على السلطات البحرينية التوقف عن رعاية وممارسة سياسة التمييز الطائفي الممنهج، لاسيما ضد أبناء الطائفة الشيعية، وضد كل من تعتبرهم السلطة معارضين لسياستها، بدلا من العمل على إسكات أصوات الصحفيين والكتاب الذين يسلطون الضوء على هذه السياسات المناهضة لحقوق الانسان ".
آيفكس – أنباء من الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير

الاثنين، 8 ديسمبر 2008

في ذكرى مرور 60 عاماً على إعلان حقوق الإنسان... أين العالم من شعار "الكرامة والعدل "


ودول العالم تحتفل هذه الايام بمرور ستين عاماً على اعلان اليوم العالمي لحقوق الانسان، نتذكر الفكرة الرئيسة التي انطلقت بها هذه السنة " الكرامة والعدل لنا جميعا" ونتساءل عن مدى تحقيق شعوب العالم والحكومات لهذا الشعار.
فسرعان ما يخطر ببالنا بالضرورة الواقع الذي ترزح تحته غزة، حيث إن "أكثر من 50 في المئة من الأسر تعيش دون خط الفقر، بينما وصلت معدلات البطالة في القطاع إلى 42 في المئة وهي من أعلى المعدلات في العالم"...
ونذكر واقع الشعب العراقي وما يعيشه من ظروف صعبة تجاوزت الامن إلى الصحة، حيث سُجلت حوالي 500 حالة إصابة بالكوليرا منذ بدء انتشار المرض في شهر أغسطس الماضي، دون أن ننسى شعوبا كثيرة، ودون تحيز لدين او مذهب او عرق او لون، منها الصومال التي تفاقمت محنتها بشكل كبير هذا العام بارتفاع عدد الأشخاص الذين هم بحاجة للمعونات من حوالي 1.8 إلى 3.2 ملايين شخص، وتعاظم مشكلة سوء التغذية بين الأطفال، مع بقاء وصول عمال الإغاثة إلى المحتاجين محدوداً بسبب الهجمات المتكررة.
ونتذكر دارفور وتعرض 280 ألف شخص للنزوح في الأشهر الستة الأولى من هذا العام مع استمرار الهجمات على عمال الإغاثة، وكذلك جمهورية الكونغو الديموقراطية وما تتعرض له منذ اكثر من عقد من النزاع... 3,500 طفل تقريباً يخدمون لدى القوات المسلحة والمتمردين... ونتذكر سجن غوانتنامو...والتعدي على حقوق المواطنين في الدول الآمنة والناشطين في حقوق الانسان والصحافيين، وغيرها من المظاهر التي تعيشها الانسانية ولا تمد بأي صلة إلى مبادئ الكرامة وتحقيق العدالة.
اليوم العالمي ليس ترفاً
فاليوم العالمي لحقوق الانسان لا يعتبر ترفاً أو قائمة أمنيات، وانما هو رؤية تعزز لحقوق الإنسان، كالتزام بالكرامة والعدل للجميع.
فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقيمه الأساسية، وهي كرامة الإنسان المتأصلة، وعدم التمييز، والمساواة، والعدل، وشمول الجميع، تنطبق على كل شخص من دون اعتبار لمكانه أو زمانه.كما لا تعتبر حقوق الإنسان مجرد تراث مشترك لقيم عالمية تتسم بتجاوز حدود الثقافات والتقاليد، بل إنها تشكل -أساسا- قِيَماً محلية والتزامات قومية تستند إلى معاهدات دولية ودساتير وقوانين وطنية.
وجدير بالملاحظة أن الاحتفال على مدار العام بالذكرى السنوية الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يرمي إلى أن يكون حدثاً شمولياً بقدر الإمكان، وأن يركز على دور الناس في جميع أنحاء العالم بوصفهم الأمناء على الإعلان والمستفيدين منه كذلك.
وإحياء هذه الذكرى التي يتصدرها الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، يشمل أسرة المنظمة والقطاعين العام والخاص، ووسائط الإعلام والمدارس ورجال الفن وسائر ممثلي المجتمع المدني في شتى أنحاء العالم، باعتبار ان الاعلان يهمّ بالاساس الانسانية من دون اي اعتبارات او مرجعيات.
قد يكون مهما ان نحتفل بهذا اليوم العالمي، لكن قد يكون من الاهم ان نعمل جميعا على نشر هذا الاعلان، وهو متاح الآن بأكثر من 360 لغة، وهو أكثر وثيقة تُرجمت في العالم في سبيل ان يعرف الجميع حقوقه وواجباته من جهة، ولكون اغلب المتضررين ليست لهم ثقافة حقوقية تحميهم في حالة الجور عليهم، وهذا ما ركز عليه بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة قائلا: "إن من واجبنا أن نكفل أن تكون هذه الحقوق واقعاً حياً ، وأن يعرفها ويفهمها ويتمتع بها الجميع، في كل مكان.
وكثيراً ما يكون أولئك الذين يحتاجون أشد الحاجة إلى حماية حقوقهم الإنسانية، هم الذين يحتاجون أيضاً إلى توعيتهم بوجود الإعلانس، وبأنه موجود من أجلهم".

الأحد، 16 نوفمبر 2008

لبورصة عندما تصبح أفيونا...حكايات من الانكسار والانتصار


رجال تخونهم الظروف والبورصة، فينهار البعض منهم بانهيارها. لا يكاد الواحد منهم يُلملم ما تبقّى له من قوة ليخرج من قاعة الأوراق المالية، وإن خرج، فقد تذهب به الصدمة الى نسيان مكان سيارته من الموقف.
بعضهم يرتبط مزاجه بمزاج هذا السوق، وبما ان مزاج هذا الاخير متعكّر الى ابعد الحدود.. فمزاج بعضهم بالتالي كان امس واليوم متعكرا الى ابعد الحدود...
بين ارتفاعها النسبي، وانخفاضها المستقر، وايقاف التداول تبقى للمتداولين على شاكلة كل البلدان التي طالتها الازمة قصص وحكايات تقدمها “الصوت” لاحباء المغامرة.
صدمة الخسارة مخدّر؟
“الوقت فات للتراجع والتخلّي عن هذا الهوس، وقد خلفت البورصة الدم في عروقي، ورهانا ينبغي علي تحديه لاسترجاع ما خسرته” كذلك يرى أبوجاسم، وهو رجل في الخمسين من عمره، دخل البورصة عن هوى، وهو اليوم لا يتخيل نفسه يخرج منها مهزوما خاسرا، وان استرجع خسارته كذلك لن يخرج منها، جدلية يعيشها أبوجاسم بين الربح والخسارة، بين النكسة والفرح، فالنكسة تحثه على الركض خلف الفرح...والفرح بدوره يدعوه بالحاح لاقتفاء المزيد منه، حاله حال الكثيرين في الكويت وفي الخليج وفي كل قُطر من عالمنا الكبير.
أصبحت البورصة بالنسبة إليهم افيون العصر على حد تعبير أحد المتداولين.
هذا الركض الدوري المنتظم متعة عند البعض وشغل الشاغل لدى البعض الآخر، فالتحدي كما يفسره الاختصاصيون ميسم يدخل طعما على الحياة البشرية ولا يقف على عرق من دون آخر او مذهب من دون آخر او لون او بلد، وانما يحدد هوية الاشياء، فمدى قدرة الانسان على التحدي والاستمرار والصمود تحدد نوع الشخص.
هذا المنطق يؤكده عاشق من عشاق البورصة أبوظافر، الذي رغم صغر سنه نسبيا (37 سنة) ورغم عمله كمحاسب في احدى الشركات الخاصة، فانه عاشق للبورصة من درجة اولى...كيف لا وهو يلعب في مجال الارقام والحسابات باعتبار اختصاصه في المحاسبة، تهزه الازمة والخسارة، لكنه لا يتوانى ان يتمسّك بها، حاليا خسر الكثير من مدخراته ومدخرات اخوانه، لكنه لا يتأثّر كثيرا وانما يعتبر الامر عاديا، فكذلك هي سوق الاوراق المالية “مرة فوق ومرة تحت” حسب اعتقاده، الازمة محلية وعالمية والكل تأثّر بها ويتأثّر يوميا، فهي ازمة ليست فردية خاصة لينهار”.
بهذا المنطق المعتدل يتقبّل محدثنا الخسارة “بكل روح رياضية”، ولسنا ندري هل هي مكابرة منه ورغبة في عدم اظهار ضعفه أمام “المصاب” او حرارة الالم من الخسارة تصل ذروتها لديها فتنقلب بردا وسلاما، أم تراها رصانة وقدرة فائقة على تحمّل الخسارة قوة وعقلنة؟
ومهما كانت دوافعه لهذا الهدوء الظاهري، فان ما يبدو على محيا محدثنا ينبئ الى حد ما باقتناع بموقفه تجاه الخسارة، نتمناه ان يكون منطقا يتحلّى به المتداولون صبرا وتصبّرا.
البورصة تكسر شوكة الرجال
ولئن كانت بعض العينات من المتداولين تقوى امام “الفاجعة” كما يلقّبها أبومازن، الا ان البعض منهم لا يكاد يقوى امام انهيار ماله ومدخراته ومدخرات اسرته، وربما ضياع بيته وحتى سيارته.
“خراب ديار مستعجل”، بعدما كانت السوق المالية تعمّر ديارا وتبني اخرى، وتملأ رصيد البعض، اصبحت اليوم طوفانا ماردا يسحق ارصدة المتداولين، ويدمّر بعض الديار ويفرغ ارصدة البعض.
السيد أبومازن واحد من هؤلاء المعتقدين بما نقول، فحسب رأيه: لا شيء يقف امام هذا المارد، فمع انهيار سوق الاوراق المالية، لا حساباتنا البنكية بقيت، ولا مدخراتنا، وارصدتنا لم تعد مثلما كانت، ولا حياتنا نعيشها مثلما كنا نعيشها، ولا بقيت الابتسامة تضيء حياتنا...
هذا بعض مما اصبحنا نعيشه ويعيشه غيرنا في العالم”.
بمرارة كبيرة، يعترف أبومازن بالهزيمة امام ما هيأ له البعض لتلاقي حدة الازمة، فقد شغلنا نواقيس الانذار بصفة متأخرة، الكل حسب لها الف حساب واستشرف مخاطر الازمة ونتائجها وبالتالي اعد لها العدة الا نحق، وها نحن نجني ضريبة غياب الاستراتيجية في معاملاتنا المصرفية خلال الفترة الراهنة”.
كذلك، يقيّم أبومازن الوضع، فرغم انهياره النفسي الواضح، فانه استطاع ان يحلل الوضع بطريقة تنبئ عن حكمة وتشي بمرارة الرجل. متداولون يقفون واجمون شاردو الذهن امام شاشات عملاقة تفضح خسارتهم.
الكثير منهم يلتزم الصمت في ذهول ووجوم، والبعض الآخر منهم يكون سلاحه الصراخ ولعن البورصة وطلب اللطف، والبعض الآخر قد لا تقوى رجلاه على حمله، فيهوي ارضا كما تهوى الاسهم. واحد من بين هؤلاء يصرّح لـ”الصوت” : “البورصة كانت سببا في كل “اللخبطة” التي اعيشها في بيتي وجسمي، في البيت لا شيء غير المشاكل، اعترف انني صرت لا اطاق ولا احد يعذرني في البيت، كذلك جسمي صارت فيه “لخبطة” “ أبو أحمد رجل في العقد الخامس اكسبته البورصة الكثير، وهي اليوم تأخذ منه الكثير على حد تعبيره.
ولعل أهم ما اخذت منه، اضافة الى مدخراته، صحته، فهو اليوم مصاب بمرض السكري والضغط ويخشى على نفسه من تفاقم المرض وارتفاع الضغط، لذلك أصبح سلاحه الوحيد رياضة المشي والنرجيلة والانفراد بنفسه بعيدا عن العائلة، وقد خسر جميع افرادها تقريبا مدخراتهم بسببه، وكذلك بعيدا عن أصدقائه، هو اليوم لا يقوى إلا على الانتظار.
شخصية المتداول
بين الصمود امام انهيار البورصة وايقاف التداول، تختلف مواقف المتداولين باختلاف نفسياتهم وشخصياتهم، ولئن كانت في أحيان كثيرة تعبّر عن شخصية المتداول، إلا أنها في أحيان كثيرة تشي بعدم قدرة البعض على الصمود أمام الخسائر التي تفرزها رغم قوة شخصياتهم وجلدهم امام مواقف صعبة، لان الوضع فاق كل التوقعات.

الخميس، 13 نوفمبر 2008

شذرات من الواقع الكويتي 2

كانت تتكلم، تصرخ، تتأوه، تبكي ... أفعال تقوم بها في استرسال يصعب إيقافه، تواصل حديثها من دون انقطاع، ومن دون اكتراث لنا إن قطعنا حديثها... تغمسه بالدعاء على الأطباء تارة وتعقبه بالنصيحة مرات كثيرة... كلامها قرارات كانت تحكمها لحظات الألم التي تعيشها وتشرك عائلتها فيها غصبا عنها.
قد نعذرها عليها وقد نرقّ لحالها... وفي الحالتين لا نملك إلا أن ندعو لها بالصبر. "لو أموت من الألم لن أتعالج هنا مطلقا في الكويت، حتى الأدوية وإن كانت مسكنات لن آخذها".
هذه كانت بعض الكلمات القرارات التي صرخت بها محدثتنا لـ"الصوت" في محاولة منها للثأر لنفسها... أقوى حل عندها أن تفضفض لـ"الصوت" وبقية الحلول تراها غير مجدية حتى القانونية منها. هذا القرار، على ما يبدو عليه من انفعالية، قد ينذر بالخطر في بلد تمثل الجاليات الوافدة فيه ثلثي عدد السكان الذي يبلغ حوالي 3.2 ملايين نسمة.
وما يزيد في خطورة الموقف أن المتحدثة تتعدى التصريح بقرارها إلى التحذير والنصح بعدم العلاج هنا في الكويت... "أنصحك بلاش علاج هنا في الكويت"...
هذه الكلمات رغم أنها حاملة لدرجة كبيرة من الألم تجعل، التساؤل مشروعا حول كفاءة بعض الأطباء في بعض المستشفيات من جهة ومدى صدقية ضميرهم المهني.
محدثتنا اليوم لم تكن لتتوقع المرض بالزكام يوما، فإذا بها تجد نفسها ذلك اليوم أمام مرض عضال لم يرحم قبلها رضّعا وأطفالا لم يبصروا من الحياة شيئا ولم يفقهوا معنى الظلام والدموع، رغم صراخهم وبكائهم لحظة ميلادهم. هي آلاء فتاة مصرية مقيمة في الكويت مع زوجها، لم يمر على زواجها إلا أشهر قليلة، هي اليوم بعد مضي أيام تعيش ولادتها من جديد بعد آلام نفسية رافقتها وتجاوزتها، لتنتشر بين أفراد أسرتها وأسرة زوجها... آلام كان البطل فيها بالدرجة الأولى وبتميز أحد المستشفيات المعروفة في الكويت... تعيش هذه الأيام لحظة ميلادها الثانية.
ابتدأتها ككل مولودي العالم بكاء، غير أن الفرق بين ولادتيها الأولى والثانية يكمن في مدى الوعي بالبكاء. كان بكاؤها في لحظة ميلادها الأولى عن غير رغبة منها، وعن غير فهم وإحساس به، لحظة ميلادها الثانية كان البكاء فيها طواعية وبإصرار المحب للحياة، الراجع للحياة، الممنوح فرصة أخرى للحياة والتصالح مع الجميل فيها والسيئ.
آلاء فتاة السابعة والعشرين كانت ككل الفتيات تحلم بفارس أحلام تختاره، فكان لها أن وهبها القدر ما تمنته، ولأن الله كريم يعطي من دون حساب، فقد استفاض كرمه عليها وكرمها بأن تكون حاملا منذ أشهر زواجها الأولى... غير أن الفرح كان عمره قصيرا لم يتجاوز أسابيع، انتهت بها إلى تقرير طبي يؤكد سقوط حملها، وبالتالي سقوط أحلامها أرضا.
لم تتوقف آلامها عند هذا الحد، وإنما اكتشفت إصابتها بورم خبيث حسب تقرير طبي مكثف صادر عن مستشفى له صيت واسع في الكويت. كيف لا وهو الملقب بالمستشفى (....)... الكشف عن الأسماء لا يعنينا بالدرجة الأولى بقدر ما يعنينا لفت النظر إلى بعض الأخطاء الطبية في بعض مستشفياتنا هنا في الكويت... لنعلم بأن الخطأ وارد في كل المستشفيات من دون استثناء، باعتبار أن من يعمل في تلك المؤسسات هو إنسان لا يخضع إلى قانون الكمال... ولأن الإنسان بشر يسمح له بالخطأ أو السهو، فإن في بعض الحالات يكون الخطأ فيها غير مسموح، خاصة إذا كان مؤديا إلى كارثة تكون نهايتها قتل نفس بشرية عن غير قصد، كما هو الحال بالنسبة إلى محدثتنا.
حسب التقرير الطبي والصور بالصدى والأشعة ثلاثية الأبعاد وسلسلة من الفحوصات التي استنزفت أرقاما كبيرة لها، أثبت سقوط حمل آلاء، وبناء على تلك التقارير الطبية الصارمة خضعت محدثتنا إلى فحوصات أخرى كثيرة تعتمد في الأساس على فحوص بالأشعة، وبناء عليه كذلك اكتشف الأطباء إصابتها بورم خطير يوجب خضوعها إلى عملية فورية. ولأن التأمين رفض تغطية تكاليف العملية، ولكون أسعار مستشفى (....) باهظة جدا، فاضطرت محدثتنا إلى أن تعود إلى مصر مسقط رأسها لإجراء العملية الصعبة بسعر "معقول" على حد تعبيرها من جهة، ولكي تكون في تلك الحالة الصعبة وسط عائلتها.
وطبعا وفق التقارير الطبية الصادرة عن مستشفى (....)، حدد موعد للعملية في مصر طبعا من دون التشكيك في نتائج الفحوصات في الكويت. ولأن الظروف تخدم أحيانا ايجابيا، فقد اكتشف ما لم يكن في الحسبان، "كنت دائما اشعر بأن في الأمر خطأ، لم أكن رغم صرامة التحليل الطبي أصدق أنني مصابة بداء السرطان، كان يخالجني إحساس داخلي بأن ما بداخلي جنين، ما زال على قيد الحياة وينمو شيئا فشيئا...".
أحيانا تكتنفنا بعض الأحاسيس، التي لا ندري هل هي استباق منا للحدث أو استشعار منا له أو حد يفصل بين قمتي الصدق والتوحد مع الغيب.. كذا كان حال محدثتنا، "قلب المؤمن دليله"..هذه المقولة على ابتعادها عن المنطقية تبقى في حالات كثيرة حلا أمام عجزنا عن فهم أمور عدة تخالجنا.. ولكون آلاء مؤمنة إلى أبعد الحدود...
كان يقينها صادقا إلى أبعد الحدود... كان الجنين لا يزال على قيد الحياة فعلا حسب آخر تقرير طبي أقيم لها في مصر، كما تنص عليه الوثائق المرفقة لهذا العمل... الجنين على قيد الحياة وعمره 11 أسبوعا ويومان بالضبط، وبالتالي يؤكد أن الكتلة الموجودة في رحم محدثتنا لم تكن بالمرة ورما قاتلا، وإنما هي دليل على وجود حياة داخل أحشائها من جهة ودليل على سلامة والدته مع إيقاف التنفيذ من المرض الخبيث.
"لا شيء يضاهي وجودك في الكون بجسم سليم"، كذلك تمتمت محدثتنا بكلام تتجاذبها الفرحة لسلامة جسمها من داء السرطان وألم لكون ابنها مشوها بفعل الأشعة التي خضعت إليها، باعتبار أن التقرير كان يؤكد خلو أحشائها من الجنين. كان الجنين مصيره الإجهاض ليخلص من حياة يشوبها التشويه والعلة. من المفارقات أن يبعث الجنين الحياة والأمل لأمه وهو يفارق الحياة، يهبها الحياة ويكون برهانا على صحتها ومعاناتها رغم تشوهاته وآلام لم يشعر بها.
"هذه الدنيا عجيبة غريبة" كما تذكر لنا محدثتنا، تحب جنينها ولن تنساه كما لن تنسى من وهبها إلى الرعب ووهب جنينها إلى الموت تشوها. لم يبق لها أمام ما عاشته من ألم هي وعائلتها إلا أن تغمس عينيها بالبكاء وترفع أعينها قائلة "حسبي الله ونعم الوكيل، أنا مش مسامحة"... حرارة دموعها تلك المتناثرة أمطارا على وجنتيها الذابلتين وعيونها الناظرة إلى السماء، تدعو سخطا على الأطباء، وتصيب جسمنا بقشعريرة خفيفة وتجعلنا بدورنا نطلب من الأطباء في الكويت بصفة خاصة والعالم بصفة عامة التثبت والتثبت ثم التثبت، فحياة الإنسان ثمينة جدا وإن كان جنينا.

الخميس، 6 نوفمبر 2008

شذرات من الواقع الكويتي1


"سامح الله التكنولوجيا والتقدم العلمي"
كانت ساعة الكون تشير إلى ما بعد منتصف الليل وتتزامن مع موعد المسلمين وصلاة الصبح، وكانت ساعتها تشير إلى ما بعد ألم الضرب والشتم فتشرف على موعد لها مع حياة جديدة وتتزامن مع قطرة أفاضت الكأس عندها.
لم تعد لتحتمل، كان ذلك في يوم كانت فيه على مشارف فتح صفحة بيضاء معه وتنسى ما لا يُنسى، لكن تعمده إذلالها في تلك الليلة إلى حد السلخ وضربها إلى حد الموت كان كفيلا بأن يربك حسابات العائلة والعرف والتقاليد لديها.
من أنفها، سال الدم سيلانا محرقا مفزعا ولا تكترث له... شريدة الذهن ظلت لوقت ليس بالطويل أو القصير لم تعد تتذكر... تخمّن... وقتها فقط لملمت ما تبقى لها من رباطة جأش، في محاولة منها لإنقاذ ما تبقى من آدميتها وقرّرت ألا أحد بعد ذلك اليوم يقرّر بدلا عنها ويأخذ بزمام أمورها، قالتها "لن أعود إلى بيته، كرهته كره الشيطان للخير" أمام أيادٍ كانت تعلوها وتنزل كالصريمة على جسدها الصغير، غير مبالية بنظرات حارقة وأصوات تعلو صوت آلامها...
وكان قرارها الرجوع إلى أهلها بلا حقائب..بلا جواهر، لكن بآلام وجروح لا تحصى وتخالها لن يستوعب الزمن هضمها ونسيانها... قد تكون لا إرادة حكمتها يوم قبلت الزواج، كانت حينها تحاول إرضاء أهل همّهم الوحيد جمع شمل العائلة وتشتيت أحلامها وتعتبر من غيرها ممّن لم تسمعن كلام «العُودْ».
لكن يومها واليوم وكل أيامها المقبلة قررت وتقرر وستقرر بألا تسمح بأن تكون آلة يفرغ فيها البعض، رغم قرابتهم الشديدة منها، مخزونا ثقافيا لسنوات من الشدة والقسوة والسيطرة إلى حد التسلط والظلم...
كانت بكلماتها تلك تنتقد تصرفات أهلها وموروثا ثقافيا كاملا تتستر خلفه عائلة، همها الوحيد أن تزوج فتاة لا هم لها في الدنيا غير عيش آمن بعيدا عن مُعنّف لا وازع يردعه.
كانت كلماتها خليطا من الألم والقوة، تروينا إياها بإسهابٍ... بتداعٍ حرٍ ...بغضبٍ ...بلا مبالاةٍ ...بعزة نفسٍ ولا تروي حديثها ببكاء أنثوي رغم مرارة ما كان يسري داخلها ولا يهتم به الجميع، كانت محدثتنا مرام فتاة تحترم الكل غير أن الكل - في اعتقادها - داس عليها أمام إرضاء شكل اجتماعي تمقته إلى حد الغثيان ولا تنسى وقعه عليها.
هي اليوم في بيت عائلتها تعود خائبة من امسها ومن يومها وفرحة بحال أفضل من حالٍ، عاطلة عن العمل، لا شهادة جامعية تخفّف عنها وطأة المصيبة... وتندم، هي اليوم على أيام دراسة انقطعت عنها مبكرا... تتمنى عودتها لمقاعد هجرتها نفوراً أمس... ويصعب عليها تحقيق هذه الامنية على بساطتها من منظورنا ومستحيلة من منظورها.
قد تغري بعض الفتيات منا أهازيج الفرح وفكرة الزواج في حد ذاتها، وقد ترى بعض عائلاتنا في الزواج حماية ومستقبلا يغني عن الدراسة، لكن النماذج الاجتماعية تفند بنسبة كبيرة هذه الاعتقادات، مرام هي واحدة من بين هؤلاء الكثيرات... التحاقها بصف الدراسة من جديد يخيفها، ولا يخيفها التحاقها بصف المطلقات بقدر ما كان يخيفها إلى حد الرعب صوت مفتاحه يدخله في مكانه من الباب... فيسقط على الأرض في غير توازن بفعل الصهباء...
ويعيد هو الكرة ويعيد المفتاح عملية السقوط في بلاهة وفي سخرية من الظرف، إلى أن تسرع في استسلام المغلوب عن أمره، المداري للفضيحة... وتفتحه فيدخل متعثرا في هدوء السارق المختلس ويخيفها إلى حد الموت ولا تموت...
ويبقى ليشتمها ويشتم اهله...يلعنها ويلعن يوم زواجه بها... يضربها ويضرب الامثال عن جمال فتيات الكليبات ولا يجده عندها... ويقهقه عجعاجا كالأبله... كالشيطان... كالمارد، ولا يكترث وينام... وينسى
ثم يكرر من جديد عذابات بلا مبرر، بلا مقدمات. اليوم، هي تكره الرجال والزواج والضرب... والتسلط... والعنف... والخمرة وأمس.
أمس، كان بالنسبة إليها محط معارك دامية بينها وبين من رسخ لغة الضرب والعنف والاستخفاف صراطا سار عليه ويسير عليه شباب كثيرون في الكويت وفي غيرها من الدول... كذلك يكون العنف الزوجي ورماً لا يعرف الحدود!
اليوم، تنظر إليه بكل أمل وتفاؤل لعل الزمان كفيل بأن يمسح دمعا لم ينزل على وجنتين ورديتين فشل الألم في نزع نضارتهما. هي اليوم، تلعن التلفزة ونجمات الكليبات...
تلعن الانترنت ومواقعه الممنوعة صوريا... تكره التكنولوجيا وما فتحته من مجال أمام الكثير للعبث... تكره الشارع وما فيه من فتيات يعرضن مفاتهن أمام أعين تشرئب للاستمتاع المجاني...
تكره مخالطة أصدقاء السوء وما هم بأصدقاء... تجتاحها موجة من الالم... من الكره... من الحقد طوفانا...
بركانا ينفجر ولا ينضبُ... كررت مرات كثيرة "سامح الله التكنولوجيا والتقدم العلمي" وتسترجع الذكرى...
وتألم لنفسها... وتُرجعنا إلى حكايتها وقد صعُب عليها البدء من جديد...
كان مجيئه ليلا متأخرا وضربه المبرح كفيلين بأن يجعلا الألم لديها يتجاوز كل القرارات، لم تعِ إلى ذلك اليوم أن ما ادخرته من كرامة طيلة عقدين كاملين استطاع ابن عمها أن يجعلهما حطاما يدوس عليهما يوميا، كرهت كلمة "اصبري" و"عيب" وكل الكليشيهات المنطوية تحت مثل هذه الكلمات، كرهتُها وكرهتُ "قائلوها"، وأحببت حياتي اليوم، بلا صراخ ، بلا ألم، بلا رائحة خمرة تغشيني، وسأنسى.
تلك كانت كلماتها التي أفرغتها لـ"الصوت" بهدوء الآمن، باضطراب المظلوم، بيقين المؤمن باليوم، بارتجاف الخائف من الغد، وتمضي... كذلك كانت يومياتها لم تختصرها إلينا واختصرناها... ونختصرها اليوم في مسائل تبدو غير محددة في الزمن والمكان ولا تعتبر ظاهرة لبلد دون آخر... هي "انقطاع الفتيات عن الدراسة في سن مبكرة"، "العنف الزوجي"، "الزواج بالإكراه" "سوء استعمال التكنولوجيا بأنواعها" "الإدمان"، كلها مسائل لا تعرف الحدود الجغرافية أو الزمانية كما الألم...

الأربعاء، 29 أكتوبر 2008

شذرات من الواقع الكويتي 3

الكـرامــة بعد الخــبـز أحــيانــاً
في غياب بريق طفولة مزقها اليومي، وجدتها بزيها الرسمي تقف أمام طاولة أكل، كل من حولها كان جالسا يمارس فعل الأكل والتحدث والضحك حد الاختناق...انتظرت جلوسها ...وانتظرت أن يسمحَ لها بممارسة تلك الأفعال البسيطة الروتينية التي يقوم بها بنو آدم. طالت النظرات مني... كنت أرسلها في البدء خلسة... وتطورت لتكون مستمرة وعلى مرأى من أصحاب الصحون الملأى والكراسي الفاخرة أرسلها كما البرق تشعه السماء غضبا وحنقا.
وانتظرت... وانتظرت... ارتد بي البصر لهبا لفشل الرؤية أن ترى أو تستوعب ما يحدث ولا يبالي به أصحاب الكراسي الفاخرة. كانت فتاتي واقفة بملابسها تلك التي تفضح وظيفتها في الكويت.
لم تكترث الفتاة بوقوفها أمام أناس جالسين...اعتادت السلوك ذاته وربما غيره يثير الحرج لديها، اعتادت أن تكون على رأس الجميع، وأقصى ما تحلم به أن يرضى عنها الجميع، لذا تراها تلبي الأوامر بابتسامة ذابلة... فعل الجلوس لم يحرك عند الفتاة إحساسا سلبيا على الأقل ظاهريا...
كان مجيء الأكل فائح الرائحة يبعث على فتح شهية أي إنسان، ولأنها إنسانة، أثارت الرائحة شهيتها، ولأنها من الخدم نسيت لبرهة أنه من حقها فقط - في عرف أصحاب الصحون - أن تبصر وألا تشتهي ما يوضع أمامها ويدغدغ غريزة حب الأكل فيها... كان منظرها وهي تنظر إلى الصحن يوضع أمام الجميع ولا ينزل أمامها يثير الشفقة إلى حد الألم.
كل شيء كان أمامها لا تمد يدها إليه إلا لترفعه إلى فم بنت تنغمس في اللعب، وتأبه دلالا أن تأكل في شيطنة الصغار... كانت شريدة الفكر تتلذذ خلسة برائحة الأكل تداعب أنفها الصغير لتستيقظ على صراخ بنت الثالثة تطلب الماء... استفاقت البنت توزع حواسها بين نظرات ترسلها إلى الصحون الملأى أكلا وبين نظرات حانقة تلهبها بها بنت الثالثة لظى... تنظر واجمة كالممتلئ بكاء ولا ينفجر خوفا ورضا غصبا وأذى،
كان البكاء إليها أمرا محظورا كانت قد نسيته منذ وطأت أقدامها البلد... والمنازل.. تتوجع يوميا مرات كثيرة... قد تتمناه أحيانا قليلة... لكنه لا يستجيب لها وقد تخلت عنه إلى ما لا عودة إليه... يشيع الألم مني وأنا أنظر ويمتد بي بلا حد حتى ظننته استوطنني إلى ما لا رجعة لابتسامتي بعده...
هممت بالنهوض لأثأر لعينين لم أفقه معنى بريقهما... لكن عجزي وقلة حيلة ذات اليد منعاني غصبا من الدفاع عنها وجعلاني أرتجف كما يرتجف القط المبتل في يوم قطبي شديد البرودة إلى حد التثلج، حالة من البرود تملكتني...وجعلت الأفكار تنساب من فكري إلى نفسي... وقتها جالت بفكري أمور خلتها اقرب إلى التفلسف من التعقل واستوت الأضداد أمامي، فهي كما البحر الساجي، هممت بأن أنصرف إلى العائلة يكسوها رداء الوقار...
لكن ابتسامة البنت خذلتني...سرعان ما أزاحت عن وجهها البريء رداء الحزن وعقبت تجري وراء طفلة الثالثة تمسكها بفرح وترجعها إلى الطاولة... كان ذلك الانقلاب الفجائي فجائيا...جعلني أشعر للمرة الثانية بالعجز عن الفعل والفهم... كان مشهد البنت في البداية وهي واقفة واجمة أمام الأكل ولاد لعدة أفكار ارتمت أمامي كالصحراء البيداء...
يذكرني بالمواثيق الدولية... ومناداة الديانات السماوية والوضعية والأعراف بالحفاظ على كرامة الإنسان... كانت البنت على الرغم من كل ذلك تبدو سعيدة بالقليل الذي خصها به القدر من منظورنا.. والكثير من منظورها...
سعيدة وهي تمسك الطفلة وتعيدها إلى مكانها وتتولى بنفسها مهمة إطعامها...سعيدة صارت وهي تجعل الأمن يستتبّ حول الطاولة...وتسعد أكثر حين تلاحظ ملامح الرضا ترتسم على وجه أفراد العائلة...
كانت هادئة إلى أبعد الحدود...مطيعة إلى أبعد الحدود...حنونة إلى أبعد الحدود... وإلى أبعد الحدود كانت بحنانها تفند مقولة فاقد الشيء لا يعطيه...
استتبعتها إلى الحمام لإرضاء فضول آدمي تملكني، تناوبت الحديث معها ...كانت تلوك الكلمات في لكنة آسيوية تشعرك بأنها تستهزئ من وضعها... من ألمها بالتجاهل والأمل في غد تأمله ورديا...
لا تستطيع أمام يومها بكل ما هو حافل به أن تتصور أن تغيره، ترضاه لنفسها وتتمناه لعائلتها، أمام كل ما نستشعره من إهانة لها ولإنسانيتها تعيش البنت حياة سعيدة، سعادة ترسلها من تحت دموع جامدة توقفت عن النزول في غير إرادة المرتضي... كانت حياتها على ما تعيشه ترضيها، هادئة لا صخب فيها غير صوت قد يعلو من فترة لأخرى...
تلك البنت البسيطة استطاعت ببساطها أن تستوعب ما لا قد يستوعبه الكبير منا، المثقف منا، الذكي منا، فهمت اللعبة كالسياسي المحنك واعتكفت على الصمت وقبول الآخر بصراخه، بأوامره في سبيل لقمة العيش والحياة الأفضل من تلك التي كانت تعيشها في موطنها، رغم كل شيء...