الأحد، 16 نوفمبر 2008

لبورصة عندما تصبح أفيونا...حكايات من الانكسار والانتصار


رجال تخونهم الظروف والبورصة، فينهار البعض منهم بانهيارها. لا يكاد الواحد منهم يُلملم ما تبقّى له من قوة ليخرج من قاعة الأوراق المالية، وإن خرج، فقد تذهب به الصدمة الى نسيان مكان سيارته من الموقف.
بعضهم يرتبط مزاجه بمزاج هذا السوق، وبما ان مزاج هذا الاخير متعكّر الى ابعد الحدود.. فمزاج بعضهم بالتالي كان امس واليوم متعكرا الى ابعد الحدود...
بين ارتفاعها النسبي، وانخفاضها المستقر، وايقاف التداول تبقى للمتداولين على شاكلة كل البلدان التي طالتها الازمة قصص وحكايات تقدمها “الصوت” لاحباء المغامرة.
صدمة الخسارة مخدّر؟
“الوقت فات للتراجع والتخلّي عن هذا الهوس، وقد خلفت البورصة الدم في عروقي، ورهانا ينبغي علي تحديه لاسترجاع ما خسرته” كذلك يرى أبوجاسم، وهو رجل في الخمسين من عمره، دخل البورصة عن هوى، وهو اليوم لا يتخيل نفسه يخرج منها مهزوما خاسرا، وان استرجع خسارته كذلك لن يخرج منها، جدلية يعيشها أبوجاسم بين الربح والخسارة، بين النكسة والفرح، فالنكسة تحثه على الركض خلف الفرح...والفرح بدوره يدعوه بالحاح لاقتفاء المزيد منه، حاله حال الكثيرين في الكويت وفي الخليج وفي كل قُطر من عالمنا الكبير.
أصبحت البورصة بالنسبة إليهم افيون العصر على حد تعبير أحد المتداولين.
هذا الركض الدوري المنتظم متعة عند البعض وشغل الشاغل لدى البعض الآخر، فالتحدي كما يفسره الاختصاصيون ميسم يدخل طعما على الحياة البشرية ولا يقف على عرق من دون آخر او مذهب من دون آخر او لون او بلد، وانما يحدد هوية الاشياء، فمدى قدرة الانسان على التحدي والاستمرار والصمود تحدد نوع الشخص.
هذا المنطق يؤكده عاشق من عشاق البورصة أبوظافر، الذي رغم صغر سنه نسبيا (37 سنة) ورغم عمله كمحاسب في احدى الشركات الخاصة، فانه عاشق للبورصة من درجة اولى...كيف لا وهو يلعب في مجال الارقام والحسابات باعتبار اختصاصه في المحاسبة، تهزه الازمة والخسارة، لكنه لا يتوانى ان يتمسّك بها، حاليا خسر الكثير من مدخراته ومدخرات اخوانه، لكنه لا يتأثّر كثيرا وانما يعتبر الامر عاديا، فكذلك هي سوق الاوراق المالية “مرة فوق ومرة تحت” حسب اعتقاده، الازمة محلية وعالمية والكل تأثّر بها ويتأثّر يوميا، فهي ازمة ليست فردية خاصة لينهار”.
بهذا المنطق المعتدل يتقبّل محدثنا الخسارة “بكل روح رياضية”، ولسنا ندري هل هي مكابرة منه ورغبة في عدم اظهار ضعفه أمام “المصاب” او حرارة الالم من الخسارة تصل ذروتها لديها فتنقلب بردا وسلاما، أم تراها رصانة وقدرة فائقة على تحمّل الخسارة قوة وعقلنة؟
ومهما كانت دوافعه لهذا الهدوء الظاهري، فان ما يبدو على محيا محدثنا ينبئ الى حد ما باقتناع بموقفه تجاه الخسارة، نتمناه ان يكون منطقا يتحلّى به المتداولون صبرا وتصبّرا.
البورصة تكسر شوكة الرجال
ولئن كانت بعض العينات من المتداولين تقوى امام “الفاجعة” كما يلقّبها أبومازن، الا ان البعض منهم لا يكاد يقوى امام انهيار ماله ومدخراته ومدخرات اسرته، وربما ضياع بيته وحتى سيارته.
“خراب ديار مستعجل”، بعدما كانت السوق المالية تعمّر ديارا وتبني اخرى، وتملأ رصيد البعض، اصبحت اليوم طوفانا ماردا يسحق ارصدة المتداولين، ويدمّر بعض الديار ويفرغ ارصدة البعض.
السيد أبومازن واحد من هؤلاء المعتقدين بما نقول، فحسب رأيه: لا شيء يقف امام هذا المارد، فمع انهيار سوق الاوراق المالية، لا حساباتنا البنكية بقيت، ولا مدخراتنا، وارصدتنا لم تعد مثلما كانت، ولا حياتنا نعيشها مثلما كنا نعيشها، ولا بقيت الابتسامة تضيء حياتنا...
هذا بعض مما اصبحنا نعيشه ويعيشه غيرنا في العالم”.
بمرارة كبيرة، يعترف أبومازن بالهزيمة امام ما هيأ له البعض لتلاقي حدة الازمة، فقد شغلنا نواقيس الانذار بصفة متأخرة، الكل حسب لها الف حساب واستشرف مخاطر الازمة ونتائجها وبالتالي اعد لها العدة الا نحق، وها نحن نجني ضريبة غياب الاستراتيجية في معاملاتنا المصرفية خلال الفترة الراهنة”.
كذلك، يقيّم أبومازن الوضع، فرغم انهياره النفسي الواضح، فانه استطاع ان يحلل الوضع بطريقة تنبئ عن حكمة وتشي بمرارة الرجل. متداولون يقفون واجمون شاردو الذهن امام شاشات عملاقة تفضح خسارتهم.
الكثير منهم يلتزم الصمت في ذهول ووجوم، والبعض الآخر منهم يكون سلاحه الصراخ ولعن البورصة وطلب اللطف، والبعض الآخر قد لا تقوى رجلاه على حمله، فيهوي ارضا كما تهوى الاسهم. واحد من بين هؤلاء يصرّح لـ”الصوت” : “البورصة كانت سببا في كل “اللخبطة” التي اعيشها في بيتي وجسمي، في البيت لا شيء غير المشاكل، اعترف انني صرت لا اطاق ولا احد يعذرني في البيت، كذلك جسمي صارت فيه “لخبطة” “ أبو أحمد رجل في العقد الخامس اكسبته البورصة الكثير، وهي اليوم تأخذ منه الكثير على حد تعبيره.
ولعل أهم ما اخذت منه، اضافة الى مدخراته، صحته، فهو اليوم مصاب بمرض السكري والضغط ويخشى على نفسه من تفاقم المرض وارتفاع الضغط، لذلك أصبح سلاحه الوحيد رياضة المشي والنرجيلة والانفراد بنفسه بعيدا عن العائلة، وقد خسر جميع افرادها تقريبا مدخراتهم بسببه، وكذلك بعيدا عن أصدقائه، هو اليوم لا يقوى إلا على الانتظار.
شخصية المتداول
بين الصمود امام انهيار البورصة وايقاف التداول، تختلف مواقف المتداولين باختلاف نفسياتهم وشخصياتهم، ولئن كانت في أحيان كثيرة تعبّر عن شخصية المتداول، إلا أنها في أحيان كثيرة تشي بعدم قدرة البعض على الصمود أمام الخسائر التي تفرزها رغم قوة شخصياتهم وجلدهم امام مواقف صعبة، لان الوضع فاق كل التوقعات.

الخميس، 13 نوفمبر 2008

شذرات من الواقع الكويتي 2

كانت تتكلم، تصرخ، تتأوه، تبكي ... أفعال تقوم بها في استرسال يصعب إيقافه، تواصل حديثها من دون انقطاع، ومن دون اكتراث لنا إن قطعنا حديثها... تغمسه بالدعاء على الأطباء تارة وتعقبه بالنصيحة مرات كثيرة... كلامها قرارات كانت تحكمها لحظات الألم التي تعيشها وتشرك عائلتها فيها غصبا عنها.
قد نعذرها عليها وقد نرقّ لحالها... وفي الحالتين لا نملك إلا أن ندعو لها بالصبر. "لو أموت من الألم لن أتعالج هنا مطلقا في الكويت، حتى الأدوية وإن كانت مسكنات لن آخذها".
هذه كانت بعض الكلمات القرارات التي صرخت بها محدثتنا لـ"الصوت" في محاولة منها للثأر لنفسها... أقوى حل عندها أن تفضفض لـ"الصوت" وبقية الحلول تراها غير مجدية حتى القانونية منها. هذا القرار، على ما يبدو عليه من انفعالية، قد ينذر بالخطر في بلد تمثل الجاليات الوافدة فيه ثلثي عدد السكان الذي يبلغ حوالي 3.2 ملايين نسمة.
وما يزيد في خطورة الموقف أن المتحدثة تتعدى التصريح بقرارها إلى التحذير والنصح بعدم العلاج هنا في الكويت... "أنصحك بلاش علاج هنا في الكويت"...
هذه الكلمات رغم أنها حاملة لدرجة كبيرة من الألم تجعل، التساؤل مشروعا حول كفاءة بعض الأطباء في بعض المستشفيات من جهة ومدى صدقية ضميرهم المهني.
محدثتنا اليوم لم تكن لتتوقع المرض بالزكام يوما، فإذا بها تجد نفسها ذلك اليوم أمام مرض عضال لم يرحم قبلها رضّعا وأطفالا لم يبصروا من الحياة شيئا ولم يفقهوا معنى الظلام والدموع، رغم صراخهم وبكائهم لحظة ميلادهم. هي آلاء فتاة مصرية مقيمة في الكويت مع زوجها، لم يمر على زواجها إلا أشهر قليلة، هي اليوم بعد مضي أيام تعيش ولادتها من جديد بعد آلام نفسية رافقتها وتجاوزتها، لتنتشر بين أفراد أسرتها وأسرة زوجها... آلام كان البطل فيها بالدرجة الأولى وبتميز أحد المستشفيات المعروفة في الكويت... تعيش هذه الأيام لحظة ميلادها الثانية.
ابتدأتها ككل مولودي العالم بكاء، غير أن الفرق بين ولادتيها الأولى والثانية يكمن في مدى الوعي بالبكاء. كان بكاؤها في لحظة ميلادها الأولى عن غير رغبة منها، وعن غير فهم وإحساس به، لحظة ميلادها الثانية كان البكاء فيها طواعية وبإصرار المحب للحياة، الراجع للحياة، الممنوح فرصة أخرى للحياة والتصالح مع الجميل فيها والسيئ.
آلاء فتاة السابعة والعشرين كانت ككل الفتيات تحلم بفارس أحلام تختاره، فكان لها أن وهبها القدر ما تمنته، ولأن الله كريم يعطي من دون حساب، فقد استفاض كرمه عليها وكرمها بأن تكون حاملا منذ أشهر زواجها الأولى... غير أن الفرح كان عمره قصيرا لم يتجاوز أسابيع، انتهت بها إلى تقرير طبي يؤكد سقوط حملها، وبالتالي سقوط أحلامها أرضا.
لم تتوقف آلامها عند هذا الحد، وإنما اكتشفت إصابتها بورم خبيث حسب تقرير طبي مكثف صادر عن مستشفى له صيت واسع في الكويت. كيف لا وهو الملقب بالمستشفى (....)... الكشف عن الأسماء لا يعنينا بالدرجة الأولى بقدر ما يعنينا لفت النظر إلى بعض الأخطاء الطبية في بعض مستشفياتنا هنا في الكويت... لنعلم بأن الخطأ وارد في كل المستشفيات من دون استثناء، باعتبار أن من يعمل في تلك المؤسسات هو إنسان لا يخضع إلى قانون الكمال... ولأن الإنسان بشر يسمح له بالخطأ أو السهو، فإن في بعض الحالات يكون الخطأ فيها غير مسموح، خاصة إذا كان مؤديا إلى كارثة تكون نهايتها قتل نفس بشرية عن غير قصد، كما هو الحال بالنسبة إلى محدثتنا.
حسب التقرير الطبي والصور بالصدى والأشعة ثلاثية الأبعاد وسلسلة من الفحوصات التي استنزفت أرقاما كبيرة لها، أثبت سقوط حمل آلاء، وبناء على تلك التقارير الطبية الصارمة خضعت محدثتنا إلى فحوصات أخرى كثيرة تعتمد في الأساس على فحوص بالأشعة، وبناء عليه كذلك اكتشف الأطباء إصابتها بورم خطير يوجب خضوعها إلى عملية فورية. ولأن التأمين رفض تغطية تكاليف العملية، ولكون أسعار مستشفى (....) باهظة جدا، فاضطرت محدثتنا إلى أن تعود إلى مصر مسقط رأسها لإجراء العملية الصعبة بسعر "معقول" على حد تعبيرها من جهة، ولكي تكون في تلك الحالة الصعبة وسط عائلتها.
وطبعا وفق التقارير الطبية الصادرة عن مستشفى (....)، حدد موعد للعملية في مصر طبعا من دون التشكيك في نتائج الفحوصات في الكويت. ولأن الظروف تخدم أحيانا ايجابيا، فقد اكتشف ما لم يكن في الحسبان، "كنت دائما اشعر بأن في الأمر خطأ، لم أكن رغم صرامة التحليل الطبي أصدق أنني مصابة بداء السرطان، كان يخالجني إحساس داخلي بأن ما بداخلي جنين، ما زال على قيد الحياة وينمو شيئا فشيئا...".
أحيانا تكتنفنا بعض الأحاسيس، التي لا ندري هل هي استباق منا للحدث أو استشعار منا له أو حد يفصل بين قمتي الصدق والتوحد مع الغيب.. كذا كان حال محدثتنا، "قلب المؤمن دليله"..هذه المقولة على ابتعادها عن المنطقية تبقى في حالات كثيرة حلا أمام عجزنا عن فهم أمور عدة تخالجنا.. ولكون آلاء مؤمنة إلى أبعد الحدود...
كان يقينها صادقا إلى أبعد الحدود... كان الجنين لا يزال على قيد الحياة فعلا حسب آخر تقرير طبي أقيم لها في مصر، كما تنص عليه الوثائق المرفقة لهذا العمل... الجنين على قيد الحياة وعمره 11 أسبوعا ويومان بالضبط، وبالتالي يؤكد أن الكتلة الموجودة في رحم محدثتنا لم تكن بالمرة ورما قاتلا، وإنما هي دليل على وجود حياة داخل أحشائها من جهة ودليل على سلامة والدته مع إيقاف التنفيذ من المرض الخبيث.
"لا شيء يضاهي وجودك في الكون بجسم سليم"، كذلك تمتمت محدثتنا بكلام تتجاذبها الفرحة لسلامة جسمها من داء السرطان وألم لكون ابنها مشوها بفعل الأشعة التي خضعت إليها، باعتبار أن التقرير كان يؤكد خلو أحشائها من الجنين. كان الجنين مصيره الإجهاض ليخلص من حياة يشوبها التشويه والعلة. من المفارقات أن يبعث الجنين الحياة والأمل لأمه وهو يفارق الحياة، يهبها الحياة ويكون برهانا على صحتها ومعاناتها رغم تشوهاته وآلام لم يشعر بها.
"هذه الدنيا عجيبة غريبة" كما تذكر لنا محدثتنا، تحب جنينها ولن تنساه كما لن تنسى من وهبها إلى الرعب ووهب جنينها إلى الموت تشوها. لم يبق لها أمام ما عاشته من ألم هي وعائلتها إلا أن تغمس عينيها بالبكاء وترفع أعينها قائلة "حسبي الله ونعم الوكيل، أنا مش مسامحة"... حرارة دموعها تلك المتناثرة أمطارا على وجنتيها الذابلتين وعيونها الناظرة إلى السماء، تدعو سخطا على الأطباء، وتصيب جسمنا بقشعريرة خفيفة وتجعلنا بدورنا نطلب من الأطباء في الكويت بصفة خاصة والعالم بصفة عامة التثبت والتثبت ثم التثبت، فحياة الإنسان ثمينة جدا وإن كان جنينا.

الخميس، 6 نوفمبر 2008

شذرات من الواقع الكويتي1


"سامح الله التكنولوجيا والتقدم العلمي"
كانت ساعة الكون تشير إلى ما بعد منتصف الليل وتتزامن مع موعد المسلمين وصلاة الصبح، وكانت ساعتها تشير إلى ما بعد ألم الضرب والشتم فتشرف على موعد لها مع حياة جديدة وتتزامن مع قطرة أفاضت الكأس عندها.
لم تعد لتحتمل، كان ذلك في يوم كانت فيه على مشارف فتح صفحة بيضاء معه وتنسى ما لا يُنسى، لكن تعمده إذلالها في تلك الليلة إلى حد السلخ وضربها إلى حد الموت كان كفيلا بأن يربك حسابات العائلة والعرف والتقاليد لديها.
من أنفها، سال الدم سيلانا محرقا مفزعا ولا تكترث له... شريدة الذهن ظلت لوقت ليس بالطويل أو القصير لم تعد تتذكر... تخمّن... وقتها فقط لملمت ما تبقى لها من رباطة جأش، في محاولة منها لإنقاذ ما تبقى من آدميتها وقرّرت ألا أحد بعد ذلك اليوم يقرّر بدلا عنها ويأخذ بزمام أمورها، قالتها "لن أعود إلى بيته، كرهته كره الشيطان للخير" أمام أيادٍ كانت تعلوها وتنزل كالصريمة على جسدها الصغير، غير مبالية بنظرات حارقة وأصوات تعلو صوت آلامها...
وكان قرارها الرجوع إلى أهلها بلا حقائب..بلا جواهر، لكن بآلام وجروح لا تحصى وتخالها لن يستوعب الزمن هضمها ونسيانها... قد تكون لا إرادة حكمتها يوم قبلت الزواج، كانت حينها تحاول إرضاء أهل همّهم الوحيد جمع شمل العائلة وتشتيت أحلامها وتعتبر من غيرها ممّن لم تسمعن كلام «العُودْ».
لكن يومها واليوم وكل أيامها المقبلة قررت وتقرر وستقرر بألا تسمح بأن تكون آلة يفرغ فيها البعض، رغم قرابتهم الشديدة منها، مخزونا ثقافيا لسنوات من الشدة والقسوة والسيطرة إلى حد التسلط والظلم...
كانت بكلماتها تلك تنتقد تصرفات أهلها وموروثا ثقافيا كاملا تتستر خلفه عائلة، همها الوحيد أن تزوج فتاة لا هم لها في الدنيا غير عيش آمن بعيدا عن مُعنّف لا وازع يردعه.
كانت كلماتها خليطا من الألم والقوة، تروينا إياها بإسهابٍ... بتداعٍ حرٍ ...بغضبٍ ...بلا مبالاةٍ ...بعزة نفسٍ ولا تروي حديثها ببكاء أنثوي رغم مرارة ما كان يسري داخلها ولا يهتم به الجميع، كانت محدثتنا مرام فتاة تحترم الكل غير أن الكل - في اعتقادها - داس عليها أمام إرضاء شكل اجتماعي تمقته إلى حد الغثيان ولا تنسى وقعه عليها.
هي اليوم في بيت عائلتها تعود خائبة من امسها ومن يومها وفرحة بحال أفضل من حالٍ، عاطلة عن العمل، لا شهادة جامعية تخفّف عنها وطأة المصيبة... وتندم، هي اليوم على أيام دراسة انقطعت عنها مبكرا... تتمنى عودتها لمقاعد هجرتها نفوراً أمس... ويصعب عليها تحقيق هذه الامنية على بساطتها من منظورنا ومستحيلة من منظورها.
قد تغري بعض الفتيات منا أهازيج الفرح وفكرة الزواج في حد ذاتها، وقد ترى بعض عائلاتنا في الزواج حماية ومستقبلا يغني عن الدراسة، لكن النماذج الاجتماعية تفند بنسبة كبيرة هذه الاعتقادات، مرام هي واحدة من بين هؤلاء الكثيرات... التحاقها بصف الدراسة من جديد يخيفها، ولا يخيفها التحاقها بصف المطلقات بقدر ما كان يخيفها إلى حد الرعب صوت مفتاحه يدخله في مكانه من الباب... فيسقط على الأرض في غير توازن بفعل الصهباء...
ويعيد هو الكرة ويعيد المفتاح عملية السقوط في بلاهة وفي سخرية من الظرف، إلى أن تسرع في استسلام المغلوب عن أمره، المداري للفضيحة... وتفتحه فيدخل متعثرا في هدوء السارق المختلس ويخيفها إلى حد الموت ولا تموت...
ويبقى ليشتمها ويشتم اهله...يلعنها ويلعن يوم زواجه بها... يضربها ويضرب الامثال عن جمال فتيات الكليبات ولا يجده عندها... ويقهقه عجعاجا كالأبله... كالشيطان... كالمارد، ولا يكترث وينام... وينسى
ثم يكرر من جديد عذابات بلا مبرر، بلا مقدمات. اليوم، هي تكره الرجال والزواج والضرب... والتسلط... والعنف... والخمرة وأمس.
أمس، كان بالنسبة إليها محط معارك دامية بينها وبين من رسخ لغة الضرب والعنف والاستخفاف صراطا سار عليه ويسير عليه شباب كثيرون في الكويت وفي غيرها من الدول... كذلك يكون العنف الزوجي ورماً لا يعرف الحدود!
اليوم، تنظر إليه بكل أمل وتفاؤل لعل الزمان كفيل بأن يمسح دمعا لم ينزل على وجنتين ورديتين فشل الألم في نزع نضارتهما. هي اليوم، تلعن التلفزة ونجمات الكليبات...
تلعن الانترنت ومواقعه الممنوعة صوريا... تكره التكنولوجيا وما فتحته من مجال أمام الكثير للعبث... تكره الشارع وما فيه من فتيات يعرضن مفاتهن أمام أعين تشرئب للاستمتاع المجاني...
تكره مخالطة أصدقاء السوء وما هم بأصدقاء... تجتاحها موجة من الالم... من الكره... من الحقد طوفانا...
بركانا ينفجر ولا ينضبُ... كررت مرات كثيرة "سامح الله التكنولوجيا والتقدم العلمي" وتسترجع الذكرى...
وتألم لنفسها... وتُرجعنا إلى حكايتها وقد صعُب عليها البدء من جديد...
كان مجيئه ليلا متأخرا وضربه المبرح كفيلين بأن يجعلا الألم لديها يتجاوز كل القرارات، لم تعِ إلى ذلك اليوم أن ما ادخرته من كرامة طيلة عقدين كاملين استطاع ابن عمها أن يجعلهما حطاما يدوس عليهما يوميا، كرهت كلمة "اصبري" و"عيب" وكل الكليشيهات المنطوية تحت مثل هذه الكلمات، كرهتُها وكرهتُ "قائلوها"، وأحببت حياتي اليوم، بلا صراخ ، بلا ألم، بلا رائحة خمرة تغشيني، وسأنسى.
تلك كانت كلماتها التي أفرغتها لـ"الصوت" بهدوء الآمن، باضطراب المظلوم، بيقين المؤمن باليوم، بارتجاف الخائف من الغد، وتمضي... كذلك كانت يومياتها لم تختصرها إلينا واختصرناها... ونختصرها اليوم في مسائل تبدو غير محددة في الزمن والمكان ولا تعتبر ظاهرة لبلد دون آخر... هي "انقطاع الفتيات عن الدراسة في سن مبكرة"، "العنف الزوجي"، "الزواج بالإكراه" "سوء استعمال التكنولوجيا بأنواعها" "الإدمان"، كلها مسائل لا تعرف الحدود الجغرافية أو الزمانية كما الألم...

الأربعاء، 29 أكتوبر 2008

شذرات من الواقع الكويتي 3

الكـرامــة بعد الخــبـز أحــيانــاً
في غياب بريق طفولة مزقها اليومي، وجدتها بزيها الرسمي تقف أمام طاولة أكل، كل من حولها كان جالسا يمارس فعل الأكل والتحدث والضحك حد الاختناق...انتظرت جلوسها ...وانتظرت أن يسمحَ لها بممارسة تلك الأفعال البسيطة الروتينية التي يقوم بها بنو آدم. طالت النظرات مني... كنت أرسلها في البدء خلسة... وتطورت لتكون مستمرة وعلى مرأى من أصحاب الصحون الملأى والكراسي الفاخرة أرسلها كما البرق تشعه السماء غضبا وحنقا.
وانتظرت... وانتظرت... ارتد بي البصر لهبا لفشل الرؤية أن ترى أو تستوعب ما يحدث ولا يبالي به أصحاب الكراسي الفاخرة. كانت فتاتي واقفة بملابسها تلك التي تفضح وظيفتها في الكويت.
لم تكترث الفتاة بوقوفها أمام أناس جالسين...اعتادت السلوك ذاته وربما غيره يثير الحرج لديها، اعتادت أن تكون على رأس الجميع، وأقصى ما تحلم به أن يرضى عنها الجميع، لذا تراها تلبي الأوامر بابتسامة ذابلة... فعل الجلوس لم يحرك عند الفتاة إحساسا سلبيا على الأقل ظاهريا...
كان مجيء الأكل فائح الرائحة يبعث على فتح شهية أي إنسان، ولأنها إنسانة، أثارت الرائحة شهيتها، ولأنها من الخدم نسيت لبرهة أنه من حقها فقط - في عرف أصحاب الصحون - أن تبصر وألا تشتهي ما يوضع أمامها ويدغدغ غريزة حب الأكل فيها... كان منظرها وهي تنظر إلى الصحن يوضع أمام الجميع ولا ينزل أمامها يثير الشفقة إلى حد الألم.
كل شيء كان أمامها لا تمد يدها إليه إلا لترفعه إلى فم بنت تنغمس في اللعب، وتأبه دلالا أن تأكل في شيطنة الصغار... كانت شريدة الفكر تتلذذ خلسة برائحة الأكل تداعب أنفها الصغير لتستيقظ على صراخ بنت الثالثة تطلب الماء... استفاقت البنت توزع حواسها بين نظرات ترسلها إلى الصحون الملأى أكلا وبين نظرات حانقة تلهبها بها بنت الثالثة لظى... تنظر واجمة كالممتلئ بكاء ولا ينفجر خوفا ورضا غصبا وأذى،
كان البكاء إليها أمرا محظورا كانت قد نسيته منذ وطأت أقدامها البلد... والمنازل.. تتوجع يوميا مرات كثيرة... قد تتمناه أحيانا قليلة... لكنه لا يستجيب لها وقد تخلت عنه إلى ما لا عودة إليه... يشيع الألم مني وأنا أنظر ويمتد بي بلا حد حتى ظننته استوطنني إلى ما لا رجعة لابتسامتي بعده...
هممت بالنهوض لأثأر لعينين لم أفقه معنى بريقهما... لكن عجزي وقلة حيلة ذات اليد منعاني غصبا من الدفاع عنها وجعلاني أرتجف كما يرتجف القط المبتل في يوم قطبي شديد البرودة إلى حد التثلج، حالة من البرود تملكتني...وجعلت الأفكار تنساب من فكري إلى نفسي... وقتها جالت بفكري أمور خلتها اقرب إلى التفلسف من التعقل واستوت الأضداد أمامي، فهي كما البحر الساجي، هممت بأن أنصرف إلى العائلة يكسوها رداء الوقار...
لكن ابتسامة البنت خذلتني...سرعان ما أزاحت عن وجهها البريء رداء الحزن وعقبت تجري وراء طفلة الثالثة تمسكها بفرح وترجعها إلى الطاولة... كان ذلك الانقلاب الفجائي فجائيا...جعلني أشعر للمرة الثانية بالعجز عن الفعل والفهم... كان مشهد البنت في البداية وهي واقفة واجمة أمام الأكل ولاد لعدة أفكار ارتمت أمامي كالصحراء البيداء...
يذكرني بالمواثيق الدولية... ومناداة الديانات السماوية والوضعية والأعراف بالحفاظ على كرامة الإنسان... كانت البنت على الرغم من كل ذلك تبدو سعيدة بالقليل الذي خصها به القدر من منظورنا.. والكثير من منظورها...
سعيدة وهي تمسك الطفلة وتعيدها إلى مكانها وتتولى بنفسها مهمة إطعامها...سعيدة صارت وهي تجعل الأمن يستتبّ حول الطاولة...وتسعد أكثر حين تلاحظ ملامح الرضا ترتسم على وجه أفراد العائلة...
كانت هادئة إلى أبعد الحدود...مطيعة إلى أبعد الحدود...حنونة إلى أبعد الحدود... وإلى أبعد الحدود كانت بحنانها تفند مقولة فاقد الشيء لا يعطيه...
استتبعتها إلى الحمام لإرضاء فضول آدمي تملكني، تناوبت الحديث معها ...كانت تلوك الكلمات في لكنة آسيوية تشعرك بأنها تستهزئ من وضعها... من ألمها بالتجاهل والأمل في غد تأمله ورديا...
لا تستطيع أمام يومها بكل ما هو حافل به أن تتصور أن تغيره، ترضاه لنفسها وتتمناه لعائلتها، أمام كل ما نستشعره من إهانة لها ولإنسانيتها تعيش البنت حياة سعيدة، سعادة ترسلها من تحت دموع جامدة توقفت عن النزول في غير إرادة المرتضي... كانت حياتها على ما تعيشه ترضيها، هادئة لا صخب فيها غير صوت قد يعلو من فترة لأخرى...
تلك البنت البسيطة استطاعت ببساطها أن تستوعب ما لا قد يستوعبه الكبير منا، المثقف منا، الذكي منا، فهمت اللعبة كالسياسي المحنك واعتكفت على الصمت وقبول الآخر بصراخه، بأوامره في سبيل لقمة العيش والحياة الأفضل من تلك التي كانت تعيشها في موطنها، رغم كل شيء...

الأحد، 26 أكتوبر 2008

الطلاق في المجتمع الكويتي

فتيات في مقتبل العمر تجرهن أقدامهن جرا ثقيلا إلى قصر العدالة، لم تتمنّ الواحدة منهن مصيرا مثل هذا المصير، ولم تحلم إلا بفستان أبيض وفارس يغير واقعاً خالته بعضهن لن يتكرر.
هن اليوم، بنسب تدعو إلى القلق، يحاولن الاندماج في مجتمع لا يزال يضع المرأة المطلقة في خانة لا تحسد عليها. قد يكون زواجهن رضا أو غصبا وإكراها، وقد يكون عصيانا للأهل وتحديا، لكن الأكيد مدته -حسبهن - ما كانت لتصمد أكثر من سنة.
أشهر معدودة كانت طويلة بطول الأمد لدى بعضهن، وعلى مرارتها تبقى حلهن الوحيد المريح رغم ما يعشنه اليوم من مرارة تؤججها نظرات الآخر الحارقة وتعمقها ألسنة البعض المؤذية.
“الصوت” كانت في هذا التحقيق صوتا لا يقتصر على نقل آلام هؤلاء المطلقات، بل إنها تقارب الحقيقة وتعانق الواقع الاجتماعي في مختلف مظاهره.
فإلى أي مدى يمكن الحديث عن ارتفاع نسب الطلاق بالنسبة إلى هذه الفئة؟
وإلى أي مدى كان تعاطيهن مع وضعياتهن الجديدة ايجابا أو سلبا؟
بين أسباب طلاقهن وآلام التجارب المجهضة كان اللقاء معهن على مذاقه الكالح في أحيان كثيرة متنفسا وجسرا للعبور من الذات إلى الآخر.
“صرت أسمع صمتا من خلال نظرات الآخر” “المسكينة طُلقت ولم تمر سنة على زواجها”، “مثل هذه الكلمات والنظرات تجرحني وتدفع بي إلى التقوقع على نفسي والتزام الحد الأدنى من المشاركة في حضور المناسبات العائلية، صارت يومياتي محدودة تنحصر في الخروج مع الأهل والبقاء في البيت حتى صديقاتي أصبحت علاقتي بهن فاترة بفعل اضمحلال المشترك بيننا”.
تلك كانت كلمات بثتها محدثتنا بتلعثم بالغ ينم عن عدم القدرة على مواصلة الحديث معنا، هي فتاة لم تبلغ بعد 22 سنة رغم جمالها ورصانتها وأصلها الطيب تجد نفسها مطلقة، وما زالت الصدمة تشلها إلى حد السكون واللامبالاة. خصالها تلك تشي بأن الطلاق لا يختار ضحاياه وإنما يصيب كل العائلات على اختلاف مستوياتها الاجتماعية والمادية. أنفال رغم وقوف عائلتها إلى جانبها واحتضانها لها إلا أنها تشعر بالألم الكامن، باللاشيء يجتاحها، بخمول سرمدي يتآكلها إلى حد التلاشي، هي اليوم لا تعرف ما عساها تكون نهاية يومها أو غدها، لم ترسم لنفسها بعد مرور سنة تقريبا على طلاقها ملامح مستقبلها، مكتفية بالوقوف على آلام التجربة المريرة.
حوار الأرقام والحقائق
مثيلاتها اليوم في الكويت بأعداد قاربت 930 حالة سنة 2007، حسب آخر الإحصائيات الصادرة عن وزارة العدل. وبذلك احتللن المرتبة الثانية بـ 22.8 في المئة من إجمالي عدد المطلقات الذي بلغ حوالي 4950 حالة بعد المطلقات اللاتي تنحصر مدة زواجهن بين سنة و5 سنوات. وجدير بالملاحظة أن هذه العينة ترتفع بالنسبة إلى من مستواهن التعليمي متوسط فيكون عددهن حوالي 260 حالة والدبلوم حوالي 230 في حين تنخفض كلما انخفض المستوى التعليمي عن المتوسط أو تجاوز المستوى الجامعي إلى الماجستير.
ورغم ما يشاع عن ارتفاع نسب الطلاق بصفة عامة في الكويت إلا أننا قد نغالي إن سايرنا هذا التقييم في الوقت الذي يعتبره الاخصائيون نتيجة طبيعية وليست تشاؤمية، معتمدين على معدلات الطلاق التي تكاد تكون مستقرة إلى حد ما خلال السنوات العشر السابقة باعتبار أنه من الضروري الحديث عن الظاهرة وحساب نسبة ارتفاعها بمقارنتها بارتفاع عدد السكان المحليين والتغيرات الحاصلة في المجتمع وهو ما تعتمده منظمة الأمم المتحدة في قياس الظاهرة.
وهنا استنادا إلى الكتاب الإحصائي السنوي لوزارة العدل فقد ارتفع عدد سكان الكويت من حوالي ثلاثة ملايين و52 ألف نسمة سنة 2007 إلى حوالي ثلاثة ملايين و330 ألف نسمة، لذلك يبدو من الضروري وضع هذا الارتفاع الديموغرافي في عين الاعتبار.
“تختنق يومياً”
تبقى هذه الإحصائيات رغم أهميتها مجرد أداة تتعزز بالتقاء المعنيات بالأمر لفهم وضعياتهن.
هن في غالب الأحيان وباعتبار مدة زواجهن من فئة عمرية لا تتجاوز 25 سنة. سن يكون البعض منهن غير مستعد لتقبل صدمات الحياة، وبالتالي عدم معرفة كيفية التعامل معها وتجاوزها، لذلك تعمل العائلة على الإحاطة بهنن غير أنها في حالات عديدة تفرط في الاهتمام بالمطلقة إلى درجة قد تسيء بعضهن فهمها بفعل حساسيتها العالية.
هذا ما تعترف به محدثتنا “يحسسني الكل أنني بلا رجل... امرأة ينقصها الكثير، أو كأنها معوقة ويجب الأخذ بيدها في أدق الجزئيات، طلاقي يجعل مني محل شفقة الجميع، يغالي أهلي في الاهتمام بي إلى حد الاختناق”. تواصل حديثها تمزجه بالتشنج والاضطراب “ نحن المطلقات نختنق يوميا من نظرات الآخر ورقابة الأهل...ونادرا ما تتجاوز الواحدة منا ذلك”.
كانت تلك بعض التأوهات التي أطلقتها إحدى محدثاتنا هي فتاة لم تصل بعد منتصف العشرينات. سنة خاضت فيها تجربتي الزواج والطلاق، هي الآن في بيت العائلة تخنقها كثرة اهتمام الجميع بها حبا وخوفا من اهتمامات الناس.
هذه الأحاسيس تتقاسمها مطلقات كثيرات خاصة أنهن في مثل سنها ولم يمر على زواجهن إلا فترة قصيرة.
البحث عن الاستقلالية
ولئن كانت بعضهن تجدن صعوبة في التملص من آثار التجربة إلا أن كثيرا منهن وجدن في الطلاق انعتاقا من حياة صعبة ويحمدن الله على الخروج منها بأقل الخسائر الممكنة محاولات إعادة بناء ذواتهن لتحقيق استقلالية ذاتية، عبر الالتفات إلى اكتساب خبرة ومن ثمة الدخول في سوق العمل.
زينب واحدة من بينهن استطاعت أن تكسر جدار الذكرى وتضرب لنفسها موعدا مع المستقبل تحاول أن تكون منتجة بطريقتها الخاصة، تعلمت برمجيات الكمبيوتر، وهي اليوم موظفة في القطاع الخاص. شغلها يعني لها الكثير، يكفيها منه أنها صارت تجد سببا مقنعا تبرر به خروجها اليومي وفرصة للتواصل مع الآخرين في مسعى لتحقيق استقلاليتها ماديا ومعنويا.
هذه الحالات الإيجابية من المطلقات تجد مساعدة من قبل الأسر أو الهياكل ذات الصلة ولعل مشروع “من كسب يدي” إحدى الأيادي الممدودة لهن باعتباره يهدف إلى إكساب أمثالها مهارات حرفية ومهنية تسهل إدماجهن في منظومة العمل والانتقال من حالة الركون إلى وضعية الأخذ والعطاء وبناء الاستقلالية.
وكثيرا ما تجعل مسألة الاستقلالية المادية بعض المطلقات يطمحن إلى أبعد من ذلك أي استقلالية في السكن، مثل محدثتنا ريما تلك التي تنسى وهي تحدثنا الألم لتتذكر كم كانت سعيدة لإحساسها بكيانها داخل منزلها الخاص “رغم العناء الذي تحملته إثر فترة زواجي القصيرة إلا أنني كنت مستمتعة بشيء واحد وهو بيتي المستقل، هذا الشعور حلو جدا، وكم أتمنى أن يكون لي بيت مستقل”.
هذا الطموح يبقى في حالات عديدة صعب المنال بالنسبة إلى هذا النوع من المطلقات باعتبار صغر سنهن بالدرجة الأولى وعدم الخروج بأطفال تؤنس وحدتهن أو قد يكون شبه مستحيل في الكويت التي يحكمها الترابط الأسري والعادات الاجتماعية المتوارثة.
أي معنى لمؤسسة الزواج؟
حالات الطلاق هذه الكثيرة نسبيا في الكويت تجعل التساؤل مشروعا حول ماهية الزواج لدى الطرفين، هل هو وسيلة للخروج من قيد الأسرة والتسلط الأبوي؟
أم تراه وسيلة لتحقيق أمان عجزت الأسرة عن توفيره؟
أم أنه تجارة مربحة حينا، ومخرج من مأزق مادي أحيانا؟
هل أصبحت منظومة الزواج صفقة تبرم بين عائلتين؟
أم تقليد نمطي يهدف إلى استكمال نصف الدين؟
ولعلها محاولة لإرضاء العائلة أو التقاليد؟
تختلط الاعتبارات التي من أجلها يحدث الزواج، ولعل السبب الرئيسي وراء انتهائه بسرعة - حسب البعض- يتمثل في عدم ضبط الرؤية الأساسية من هذه المؤسسة الاجتماعية وهي الأسرة، مما يجعلنا نتساءل إن كانت العائلة قد أنشأتهما على مبدأ تقديس الحياة الزوجية من ناحية، ومن ناحية أخرى إن كان طرفا الزواج قد بسطا في فترة الخطوبة -إن وجدت- أهم المبادئ التي يؤسسان عليها الارتباط، هل يكفي الاتفاق على الأبعاد والعناصر المادية من مهر ومصاريف جهاز واحتفال لإنجاح مؤسسة الزواج؟
هذه الأسئلة على عمقها بعيدا عن الحكم الحاسم فيها ومن خلال بعض النقاشات مع المقبلين على الزواج تبقى مواضيع سابقة لأوانها، والزمن كفيل بجعلها تمر من دون تخطيط مسبق لها من جهة، ويجري التواكل فيها على العائلة باعتبارها من يختار الزوج أو الزوجة في أحيان كثيرة، فبالضرورة حسب البعض يكون اختيارها صائبا من جهة أخرى.
من هنا قد نكون وضعنا أصبعنا على أحد مصادر الإشكال، ذلك أن بعض المقبلين على الزواج يتوغلون في الحديث عن مصاريفه من دون التحدث عن الحياة الزوجية في عمقها رغم ما تحتاجه من جدية في طرحها والتثبت منها قبل الزواج والتعرف إن كانت النقاشات فيها تفضي إلى الاتفاق أو الاختلاف.
وبها قد تنجح عملية استشراف مدى طول فترة الزواج أو قصرها.
الخطوبة... هل هي ضرورية؟
“ معرفتي به لم تكن بالعمق الذي يؤدي إلى استمرار الزواج” كانت هذه بعض الكلمات التي اعترفت بها مطلقة العشرين، هي اليوم في عمر الزهور تعزو طلاقها إلى قصر فترة الخطوبة، حيث لم يكن الوقت كافيا للنقاش العميق مع خطيبها حول مسار العمر، نظرا إلى رؤى بعض العائلات حول ضرورة وجود الخطوبة أو طولها.
ورغم كونها أحيانا تكون أكثر طولا نسبيا في إطار شرعي بعقد قران إلا انها تؤدي إلى الطلاق قبل الدخول. وهنا نشير إلى ارتفاع نسبة الطلاق قبل الدخول من حوالي 510 سنة 2006 إلى 533 حالة سنة 2007.
يعمق انعدام وجود فترة الخطوبة أو قصرها الهوة بين الزوجين حسب بعض المستجوبات باعتبارها لا تكون كافية لمعرفة الآخر وتقبله شكلا ومضمونا.
وهذا ما يؤكده الاستفتاء الذي قامت به وزارة العدل لعدد من الأزواج والزوجات حول معرفة أهم الأسباب المؤدية إلى الطلاق حسب رأيهم. ومن خلال النتائج يجعل الزوجان عدم التقبل في المرتبة الأولى.
فيرى الزوج عدم التقبل بنسبة 51.2 في المئة، في حين ترى الزوجة 34.7 في المئة العامل النفسي مهم في ضمان التواصل بينهما. حيث يجد أحد الزوجين أو كلاهما صدا من الطرف الآخر أو عدم المقدرة على تقبله باعتباره لا يستجيب للصورة المرسومة في ذهن أحدهما عن الآخر. هذه النقطة كانت سببا في طلاق إحدى الحالات التي قابلناها في أروقة إدارة الرعاية الأسرية في مجمع الوزارات، حيث أعلمتنا السيدة “المظلومة” كما حلا لها أن تقدم نفسها، “كان شكل طليقي مقبولا وأعجبت به كثيرا، لكن للأسف كانت تصرفاته بشعة إلى درجة لا تطاق، بعد الزواج بيوم واحد وجدت فرقا كبيرا بين ما يحمله محياه وما يتحدث به وخاصة معاملته الحميمية المنفرة”، وتختصر تجربتها في حكمة مفادها أن المظاهر كاذبة بامتياز.
تؤكد كثيرات اعتبار أهمية فترة الخطوبة ومقابلة الشخص قبل الارتباط في نجاح الحياة الزوجية، في حين ترى أم محمد رأيا مغايرا، فهي زوجة مر عليها 4 عقود بعد زواجها تستبعد أن تكون فترة الخطوبة القصيرة أو انعدامها هي السبب في الطلاق، مستندة إلى حالتها الشخصية وحالات عديدة من الزيجات الناجحات على حد تعبيرها، إذ كانت معرفة الزوجين قبل الارتباط أمرا يكاد يكون مستحيلا غالبا، حيث لا يرى الزوج زوجته إلا يوم الدخلة، ومع ذلك تستمر الحياة بين الأزواج لمدة تتجاوز الخمسين سنة، إلى حد الممات ولم تكن فكرة الطلاق مطروحة مطلقا.
رأي الجيل القديم
من هذه الزاوية تفند بعض زوجات “الجيل القديم” أن يكون لغياب فترة الخطوبة دور في الطلاق. وإنما ترد ذلك إلى غياب الواسطة أو المُصلح العائلي أو القبلي بين الطرفين. وقد يكون هذا إلى حد ما منطقيا يؤكده تراجع نسب الصلح من 1176 حالة سنة 2006 إلى 1114 حالة سنة 2007 من ضمن 4580 حالة.
وفي المجال ذاته، تلقي أم أحمد باللوم على العائلة في الدرجة الأولى من ناحية لأنها لم تحسن تربية البنت على مبادئ تقديس الحياة الزوجية ومن ناحية أخرى تلوم الزوجة والزوج، وبصورة عامة تلوم جيلا كاملا -حسب نظرها- يستخف بالحياة الزوجية ويعتبرها أمرا لا يستحقّ التضحية والصبر، إذ حسب رأيها في غياب هذين العنصرين بالتحديد الصبر والتضحية فإن استحالة استمرار العلاقة الزوجية تبقى هي الحل الوحيد.
كذلك اختلفت الرؤى حول أسباب الطلاق بالنسبة لمن لم تتجاوز مدة حياتهم الزوجية شهورا معدودة، ولئن كانت مختلفة باختلاف منطلقات البحث فيها، فإن الطلاق في حد ذاته يبقى بالنسبة إلى هذه الفئة أمرا يقلب الموازين لديهم 360 درجة من دون التكهن بحتمية النتائج.
بين رغبتهن في الاستقلالية والانفلات من سلطة العائلة، تبقى لهذه الفئة من المطلقات بشكل عام آمال كثيرة في تحقيق ذواتهن على كل المستويات، غير أن الواقع الاجتماعي اليومي لا ينبئ بتحقيق هذا الحلم البعيد المنال. فهل هذا “الاحتجاج الاجتماعي” لهذه الفئة الشابة من المطلقات يمثل إحدى السمات الدالة على تحول سوسيوثقافي عميق في المجتمع الكويتي المعاصر؟

الاثنين، 14 يوليو 2008

شذرات من الواقع الكويتي

كانت تتكلم، تصرخ، تتأوه، تبكي ... أفعال تقوم بها في استرسال يصعب إيقافه، تواصل حديثها من دون انقطاع،
ومن دون اكتراث لنا إن قطعنا حديثها... تغمسه بالدعاء على الأطباء تارة وتعقبه بالنصيحة مرات كثيرة... كلامها قرارات كانت تحكمها لحظات الألم التي تعيشها وتشرك عائلتها فيها غصبا عنها.
قد نعذرها عليها وقد نرقّ لحالها... وفي الحالتين لا نملك إلا أن ندعو لها بالصبر. "لو أموت من الألم لن أتعالج هنا مطلقا في الكويت، حتى الأدوية وإن كانت مسكنات لن آخذها".
هذه كانت بعض الكلمات القرارات التي صرخت بها محدثتنا في محاولة منها للثأر لنفسها... أقوى حل عندها أن تفضفض وبقية الحلول تراها غير مجدية حتى القانونية منها.
هذا القرار، على ما يبدو عليه من انفعالية، قد ينذر بالخطر في بلد تمثل الجاليات الوافدة فيه ثلثي عدد السكان الذي يبلغ حوالي 3.2 ملايين نسمة.
وما يزيد في خطورة الموقف أن المتحدثة تتعدى التصريح بقرارها إلى التحذير والنصح بعدم العلاج هنا في الكويت... "أنصحك بلاش علاج هنا في الكويت"...
هذه الكلمات رغم أنها حاملة لدرجة كبيرة من الألم تجعل، التساؤل مشروعا حول كفاءة بعض الأطباء في بعض المستشفيات من جهة ومدى صدقية ضميرهم المهني.
محدثتنا اليوم لم تكن لتتوقع المرض بالزكام يوما، فإذا بها تجد نفسها ذلك اليوم أمام مرض عضال لم يرحم قبلها رضّعا وأطفالا لم يبصروا من الحياة شيئا ولم يفقهوا معنى الظلام والدموع، رغم صراخهم وبكائهم لحظة ميلادهم. هي آلاء فتاة مصرية مقيمة في الكويت مع زوجها،
لم يمر على زواجها إلا أشهر قليلة، هي اليوم بعد مضي أيام تعيش ولادتها من جديد بعد آلام نفسية رافقتها وتجاوزتها، لتنتشر بين أفراد أسرتها وأسرة زوجها...
آلام كان البطل فيها بالدرجة الأولى وبتميز أحد المستشفيات المعروفة في الكويت... تعيش هذه الأيام لحظة ميلادها الثانية. ابتدأتها ككل مولودي العالم بكاء، غير أن الفرق بين ولادتيها الأولى والثانية يكمن في مدى الوعي بالبكاء.
كان بكاؤها في لحظة ميلادها الأولى عن غير رغبة منها، وعن غير فهم وإحساس به، لحظة ميلادها الثانية كان البكاء فيها طواعية وبإصرار المحب للحياة، الراجع للحياة، الممنوح فرصة أخرى للحياة والتصالح مع الجميل فيها والسيئ.
آلاء فتاة السابعة والعشرين كانت ككل الفتيات تحلم بفارس أحلام تختاره، فكان لها أن وهبها القدر ما تمنته، ولأن الله كريم يعطي من دون حساب، فقد استفاض كرمه عليها وكرمها بأن تكون حاملا منذ أشهر زواجها الأولى... غير أن الفرح كان عمره قصيرا لم يتجاوز أسابيع، انتهت بها إلى تقرير طبي يؤكد سقوط حملها، وبالتالي سقوط أحلامها أرضا.
لم تتوقف آلامها عند هذا الحد، وإنما اكتشفت إصابتها بورم خبيث حسب تقرير طبي مكثف صادر عن مستشفى له صيت واسع في الكويت.
كيف لا وهو الملقب بالمستشفى (....)... الكشف عن الأسماء لا يعنينا بالدرجة الأولى بقدر ما يعنينا لفت النظر إلى بعض الأخطاء الطبية في بعض مستشفياتنا هنا في الكويت... لنعلم بأن الخطأ وارد في كل المستشفيات من دون استثناء، باعتبار أن من يعمل في تلك المؤسسات هو إنسان لا يخضع إلى قانون الكمال... ولأن الإنسان بشر يسمح له بالخطأ أو السهو، فإن في بعض الحالات يكون الخطأ فيها غير مسموح، خاصة إذا كان مؤديا إلى كارثة تكون نهايتها قتل نفس بشرية عن غير قصد، كما هو الحال بالنسبة إلى محدثتنا.
حسب التقرير الطبي والصور بالصدى والأشعة ثلاثية الأبعاد وسلسلة من الفحوصات التي استنزفت أرقاما كبيرة لها، أثبت سقوط حمل آلاء، وبناء على تلك التقارير الطبية الصارمة خضعت محدثتنا إلى فحوصات أخرى كثيرة تعتمد في الأساس على فحوص بالأشعة، وبناء عليه كذلك اكتشف الأطباء إصابتها بورم خطير يوجب خضوعها إلى عملية فورية.
ولأن التأمين رفض تغطية تكاليف العملية، ولكون أسعار مستشفى (....) باهظة جدا، فاضطرت محدثتنا إلى أن تعود إلى مصر مسقط رأسها لإجراء العملية الصعبة بسعر "معقول" على حد تعبيرها من جهة، ولكي تكون في تلك الحالة الصعبة وسط عائلتها. وطبعا وفق التقارير الطبية الصادرة عن مستشفى (....)، حدد موعد للعملية في مصر طبعا من دون التشكيك في نتائج الفحوصات في الكويت.
ولأن الظروف تخدم أحيانا ايجابيا، فقد اكتشف ما لم يكن في الحسبان، "كنت دائما اشعر بأن في الأمر خطأ، لم أكن رغم صرامة التحليل الطبي أصدق أنني مصابة بداء السرطان، كان يخالجني إحساس داخلي بأن ما بداخلي جنين، ما زال على قيد الحياة وينمو شيئا فشيئا...". أحيانا تكتنفنا بعض الأحاسيس، التي لا ندري هل هي استباق منا للحدث أو استشعار منا له أو حد يفصل بين قمتي الصدق والتوحد مع الغيب..
كذا كان حال محدثتنا، "قلب المؤمن دليله"..هذه المقولة على ابتعادها عن المنطقية تبقى في حالات كثيرة حلا أمام عجزنا عن فهم أمور عدة تخالجنا.. ولكون آلاء مؤمنة إلى أبعد الحدود... كان يقينها صادقا إلى أبعد الحدود... كان الجنين لا يزال على قيد الحياة فعلا حسب آخر تقرير طبي أقيم لها في مصر، كما تنص عليه الوثائق المرفقة لهذا العمل... الجنين على قيد الحياة وعمره 11 أسبوعا ويومان بالضبط،
وبالتالي يؤكد أن الكتلة الموجودة في رحم محدثتنا لم تكن بالمرة ورما قاتلا، وإنما هي دليل على وجود حياة داخل أحشائها من جهة ودليل على سلامة والدته مع إيقاف التنفيذ من المرض الخبيث. "لا شيء يضاهي وجودك في الكون بجسم سليم"، كذلك تمتمت محدثتنا بكلام تتجاذبها الفرحة لسلامة جسمها من داء السرطان وألم لكون ابنها مشوها بفعل الأشعة التي خضعت إليها، باعتبار أن التقرير كان يؤكد خلو أحشائها من الجنين. كان الجنين مصيره الإجهاض ليخلص من حياة يشوبها التشويه والعلة.
من المفارقات أن يبعث الجنين الحياة والأمل لأمه وهو يفارق الحياة، يهبها الحياة ويكون برهانا على صحتها ومعاناتها رغم تشوهاته وآلام لم يشعر بها.
"هذه الدنيا عجيبة غريبة" كما تذكر لنا محدثتنا، تحب جنينها ولن تنساه كما لن تنسى من وهبها إلى الرعب ووهب جنينها إلى الموت تشوها.
لم يبق لها أمام ما عاشته من ألم هي وعائلتها إلا أن تغمس عينيها بالبكاء وترفع أعينها قائلة "حسبي الله ونعم الوكيل، أنا مش مسامحة"...
حرارة دموعها تلك المتناثرة أمطارا على وجنتيها الذابلتين وعيونها الناظرة إلى السماء، تدعو سخطا على الأطباء، وتصيب جسمنا بقشعريرة خفيفة وتجعلنا بدورنا نطلب من الأطباء في الكويت بصفة خاصة والعالم بصفة عامة التثبت والتثبت ثم التثبت، فحياة الإنسان ثمينة جدا وإن كان جنينا.
قصة آلاء من الواقع، كما تبين ذلك الوثائق، ونتمنى أن يكون واقعا لا يتكرر في دولة تولي أهمية كبرى للإنسان من دون اعتبار لسنه أو جنسه أو عرقه أو مذهبه أو دينه...

الاثنين، 19 نوفمبر 2007

حوار مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم

احتياطي الكذب في الحياة العربية أكبر من احتياطي النفط في صحرائها

سميح القاسم، كما عرفته، شخصية مرحة تعلوها ابتسامة صادقة بعيدة عن التصنّع، ابتسامته فلسفة ينثرها أمام مستمعيه طمأنينة وحبّا في التفاؤل وبعثا للأمل في النفوس، هو إنسانيّ النزعة يُعلن رفضه الدائم للأصفاد والقيود جغرافية كانت أو عرقية أو دينية أو مذهبية... بقول الشعر يحاول منذ سنين تجاوز تلك الحدود...
في زيارته الأخيرة إلى تونس، أراد أن يشرّك محبّي الشعر والكلمة الهموم المتوالدة للإنسان العربي هنا وهناك وجيلا بعد جيل... سميح القاسم شاعر متمسّك بانتمائه العربي دون نعرة قوميّة، جاء ليوجّه صرخة إلى العالم في وجه العدوان. التقتينا، لا الشاعر فحسب وإنّما أيضا المثقف العربي الملتصق بشعبه وبقضاياه، وإليكم تفاصيل هذا الحديث الاستثنائي.


* في هذه الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان وفلسطين، يأتي سميح القاسم مبتسما، لم ينجح هذا العدوان في اغتيال ابتسامته الدائمة رغم إطباقها على أرواح عشرات الأطفال الأبرياء، ما سرّ في ذلك؟

السؤال طبيعي. وأرجو أن تكون إجابتي كذلك طبيعية. إن الشاعر الإسباني "لوركا" الذي اغتاله الفاشيون القتلة سألوه قبل رحيله بفترة وجيزة: "لماذا تقاتل وتكتب وتحارب؟" أجاب ببساطة: "أنا أدافع عن ابتسامتي" هذا التعبير الإنساني البسيط والعميق في نفس الوقت يختصر سيرة الصراع البشري من بدء المجتمعات الإنسانية إلى نهايتها.
في الحقيقة، أنا لا أدافع عن ابتسامتي، أنا أبتسم لأدافع عن دمعتي. الأمر سيّان عندي، إذ أني ألاحظ عبر وسائل الإعلام والفضائيات العربية حالة الانكسار والإحباط واليأس والانهيار الروحي لدى الإنسان العربي جرّاء ما يحدث على الأرض العربية في فلسطين أو لبنان والسودان والعراق وفي أماكن أخرى من هذا الوطن وهي حالات تثير الدمع لكن الاستسلام للدمع والانخراط في اليأس وصفته سابقا بأنه "رفاه باهظ التكاليف". أنا لا أستطيع أن أسدّد فاتورة اليأس وأعتقد أنّ أمتي لا تستطيع دفع ثمن اليأس لأنه باهظ جدّا ويعني النهاية. وأنا أؤمن بقوّة الحياة والإرادة والروح وجبروت الإنسان وشهوة الحضور الكامل في هذا الكون. لذلك تتحوّل حالتي الشعرية إلى حالة إنسانية كاملة.
واعذريني أنني أحسّ في هذه الأيام تحديدا كأنني مسؤول شخصيا عن مزاج أمّة ووجدانها، وليس فقط عن مزاجي الشخصي أو مزاج الشعب الفلسطيني أو اللبناني. لذلك أحمل هذا التكليف غير الرسمي وهو تكليف أعتبره ذاتيا وخاصا جدّا فتراني أتجوّل داخل العالم العربي وأقول للناس لم تموتوا بعد ولم نمُت بعدُ، وأن إمكانية الحياة متوفرة وأن المقاومة مطلوبة وضرورية وممكنة لأن الاستسلام يعني الموت. لذلك أرى في لقاءاتي بالجماهير العربية في تونس أو في أي بلد عربي آخر وأنا أتجوّل في الآونة الأخيرة بشكل مركّز في الوطن العربي بحيث أنّي أؤدّي رسالة شعرية وإنسانية ولا أقرّ أيّة نظرية من النظريات التافهة التي تتحدث عن القطيعة بين الشعر والسياسة أو الفنّ والواقع. هذه النظريات ساقطة وتافهة وغير جديرة بالتوقف عندها ومن هنا أعود دائما إلى منزلي في الجليل على سفح جبل حيدر ببلدة الراما قريتي بإحساس أنني على الأقل قدّمت أضعف الإيمان بأنني لا أعيش عبثا وأنني أهدر الوقت ولا أضيع طاقاتي وزمني هباء. أجد في هذا شيئا من العزاء وتجد قصيدتي شيئا من العزاء هي أيضا لأنّها تحسّ بأنها تصل إلى جماهير عريقة رغم كونها بالأساس قصيدة ذاتية فردية لكنها تصل.
أعتقد أنّ هذا التلاحم بين قصيدتي والجمهور هو الخندق القوي والأخير الذي تدافع به روح الأمة عن وجودها وحلمها وطموحها ومستقبلها.
عزيزتي أنا ابتسم للإنسان العربي، أما غضبي فهو بلا حدود. فأنا إنسان غاضب جدا في مسيرتي الشعرية منذ البداية، حتى أن بعض النقاد مثل رجاء النقاش وغيره أطلقوا عليّ لقب "شاعر الغضب الثوري" و"شاعر العروبة أو المقاومة أو الإنسانية"... كل هذه التعابير تؤشّر إلى شيء واحد وهو هذا الالتحام العفوي بيني وبين أمّتي.

* أمازلت تفضّل أو بعبارة أخرى هل مازال يستهويك لقب شاعر المقاومة؟

لا يعنيني أيّ لقب. لكن أفهم من سؤالك أنك تحيلينني أو تسقطين عليّ مقولات من شارع الثقافة والصحافة. هنا شيء خطير يقول بأنّ ليس هناك مكان للمقاومة وأدب المقاومة وأن المسألة انتهت وأنّ الأمن مستتبّ، وأنه انتهى دور شعر المقاومة إلى آخر الكلام...
أولا، أنا لم أخطط لضياع فلسطين حتى أصبح لاحقا شاعر مقاومة. لو لم تضع فلسطين لكنت ربما شاعر الحب الأول في العالم، وشاعر الغزل الأول عند العرب. فالمسألة ليست خيارا، ذلك أنّي لم أٌسأل إن كنت أريد أن أصبح شاعر مقاومة أو حبّ أو طبيعة أو نباتات بريّة، لاسيّما أني ولدت في معركة فانخرطتّ فيها وعبّرت عنها بما يليق بي وبها وبالشعر أيضا. لذلك هذا على مستوى القيل والقال في شارع الصحافة وعلى أرصفة "الكفتريات" في بعض المدن الملوّثة بدخان السجائر والسيارات والنظريات التافهة. هذا الكلام في الحقيقة لا يعني لي شيئا. وهو نوع من التخبّط واليأس والضياع الذي يعيشه ربما محبّو الشعر والأدب. ربما يكون نوعا من الضياع لا يهمني ولا يعني لي شيئا لأني لست عضوا في حزب سياسي أو شعري أو حركة علنية أو سريّة. فأنا شاعر فرد تحملني قصيدتي وأحملها بما أشاء وبما أريد وبما تحلم به القصيدة وهذا كلّ ما في الأمر. وحين تتحرّر الأمة ويتحرّر الوطن العربي سيبقى ما هو شعر وسيزول ما ليس شعرا.
إذا كانت القصيدة للمتنبي في هجاء كافور الإخشيدي أو في رثاء أم سيف الدولة قد بقيت إلى اليوم فإنها بقيت بقيمتها الشعرية وليس بالموضوع الذي تناولته. إذن في النهاية، ستبقى القيمة الشعرية.

* رغم قصائدك الكثيرة عن فلسطين.. هل تعتقد أن لك قصائد مرجعية باقية في الذاكرة كقصائد المتنبي، كيف تفسّر ذلك؟

أعتقد أننا هنا نختلف ببساطة بما هو حاضر. لنأخذ مثلا قصيدة "سأقاوم" التي كتبتها في سنة 1965 وأعتقد أنها معروفة في العالم العربي أكثر من قصيدة أخرى للمتنبي.
هذا حكم مستعجل، لنترك بعض الوقت. فالقصيدة الجيّدة تبقى وكذلك القصيدة التي تبني نفسها على الموضوع. ويجب أن نشير إلى أنه ليس كل ما يكتب في فلسطين هو شعر جيّد. وليس كلّ ما يكتب في قضيّة عادلة هو شعر جيد. فمن المحتمل أن يكون هناك شعر رديء في قضية عادلة وهو كثير في فلسطين والعالم العربي والعالم بأكمله. لكن الشعر الجيّد سيبقى.

* إذن هل لك أن تُحدّد لنا مقاييس الشعر الجيّد، حسب رأيك؟

لا أحد يستطيع أن يُعرّف ما هو الشعر. لكن هناك مقاربات. حسب رأيي العمل الذي يحمل استثنائيّة فنيّة قائمة بذاتها واستثنائية إنسانية من خلال الموضوع الذي تعالجه يتحوّل الشعر إلى شعر جيّد. وبهذا المعنى سيبقى للأمة في المستقبل نماذج من الشعر العربي الحديث جميلة وقويّة وأصيلة ولن يكون المتنبي وحيدا على الساحة. ولا أستعمل الشعر الفلسطيني لأني لست إقليميا كما يعرف الجميع.

*أصدرت بيانا من سميح القاسم المواطن إلى سميح القاسم الشاعر أعلنت فيه أنك لن تعود إلى الشعر. ما الذي دفعك إلى إصدار هذا البيان؟ وما الذي جعلك تعدل عن تنفيذه؟

هذا صحيح، لقد وصلت في لحظة انكسار كبرى وانهيار سياسي وإيديولوجي إلى حالة قلت فيها لنفسي "لمن تحرق نفسك وهذا الوجود السياسي والقومي والدولي لا يستحقّ أن تحرق نفسك من أجله بهذا الشكل، فليذهب إلى الجحيم، إن كان يختاره في لحظة معينة؟".
لكن حتى هذه الحالة، شدّتني لاحقا إلى التعبير عنها، وحين نشرت قصيدة بعد هذا البيان بفترة، سألني عدد من الصحافيين "ماذا مع هذا البيان الذي أصدرته؟"، قلت ببساطة "عصمتي ليست بيدي، فهي بيد القصيدة التي أعادتني إلى بيت طاعتها".

*تعلن دائما أنّ لديك "مسؤولية بتكليف إلاهي للدفاع عن روح الأمة وحضارتها وتراثها وثقافتها وحداثتها أيضا"، ألا ترى في ذلك مغالاة أم تراه غرور شاعر أو إنسان؟

أبدًا، هذا كلام متواضع، أنا أعترف بمسؤولية وتكليف إلاهي. وهذا حقيقة. وتلمسين في أمسياتي الشعرية في تونس أو الرباط أو القاهرة أو دمشق أو عمان.. أحسّ بهذا التكليف الإلهي. ومن المؤسف أن أقول إن في الأمة العربية كثيرين من هم مستعدّون للاستشهاد بحزام ناسف، لكن لا أجد من هم مستعدون للاستشهاد بحزام ثقافي. مع الأسف لا يوجد عندنا المثقف الشهيد والمثقفون المهيؤون للشهادة. يوجد مرتزقون، وموظفون بالمعنى الروحي وليس بالمعنى الرسمي. يوجد عندنا طبالون للسلاطين وحجّاب وبوّابون في الثقافة. نحن في حجة إلى نموذج للمثقف الشهيد حتى على مستوى "جون بول سارتر" لا يوجد عندنا. وهو ليس ذلك المثقف بقامة ابن رشد. لذلك فإن هذا الوضع والقحط والسقوط يجبرني على توجيه ما يشبه الإهانة والاستفزاز لما يُسمّى بالساحة الثقافية في الشعر والموسيقى والرسم... لا يوجد حراك ثقافي عربي على مستوى المأساة العربية رغم كبر حجمها وهولها.
لذلك هذا الإحساس بالوحدة وبالعزلة ربما يكون هو الذي يدفعني إلى البوح بالتكليف الإلهي.

* كيف ترى علاقة المثقف العربي بالواقع بين الموجود والمنشود؟

لست منظّرا، ولا أدّعي ذلك. لكن ربما بحكم موقعي الجيو-سياسي لست في غمرة الساحة العربية الثقافية. أنا في وطني ومعتقلي وسجني وحصني وقلعتي منقطع جسديّا عن الحياة اليومية والحركة الآنية في الوطن العربي، لكنّي روحيّا هناك ومنخرط بلا رحمة في الوجع العربي والهم العربي والحلم العربي أيضا. أنا منخرط بالكامل والقطيعة شكلية وبرّانيّة وجغرافية لكن لا أستطيع أن أتخلّى عن التكليف الإلهي.

*هل ممكن أن تكون الكلمة وسيلة للحفاظ على الإرث الثقافي؟

الكلمة وحدها لا تكفي. فهي ليست مجرّد وعاء رغم أنها بشكل من الأشكال وعاء لمضامين معينة يجب إعطاءها المضامين المناسبة. الكلمة بمعنى أداة التعبير ينبغي أن تكون لها دور في توظيف الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فالكلمة تستطيع أن تؤثّر وتُثوّر وتُغيّر. وهذا ما أقوله دائما. فالكلمة وحدها لا تستطيع أن تفعل شيئا دون مضمون مرتبط بالاقتصاد والفكر والسياسة. أفكاري ليست قمصانا أغيره، حتى أتوصل إلى رؤية أو موقف أو رأي هذا يتطلب مني سنوات طويلة من التجربة لذلك مازلت عند هذا الرأي. وما تأتين به لا يمكن أن يُكلُف شاعر بحماية تراث أمة بالكلمة والقصيدة فهناك أطراف وشركاء آخرون.

* منذ فترة لم نعرف للقصيدة العربية شكلا جديدا، هل تؤمن بأن لكلّ جيل شكل للقصيدة يوافق قضاياه؟
الأشكال في الفن ليست قضية موضة. نحن نكتب في القصيدة العربية ومازالت صالحة. فهذه مسألة ثقافة وتعليم ومعرفة. أوعية التعبير وأشكاله لا تسير مع الموضة فهي تتكون عبر التجربة الإنسانية والتراكم المعرفي في مراحل طويلة جدّا. فالرسامون المعاصرون مثل "بيكاسو" رسم بالألوان نفسها التي رسم بها "قوقان" "ورافييل"... المهم أنّ هذه الأدوات التي هي نتاج ثقافة وتجربة وصناعة وخبرة طويلة جدا لم يستعملها بيكاسو كما استعملها غيره. فكل رسام يستعمل الألوان بطريقته فخلطة الألوان تظل نفسها غير أن المهم كيف يتعامل الرسام معها. هكذا أيضا في الشعر. الأشكال تتغيّر، إذ كنا في الشعر العمودي ثم ظهرت التفعيلة ثم ظهر ما يُسمى بقصيدة النثر. فأحدها لا يُلغي الآخر.
أنا كتبت بالعمودي والتفعيلة وقصيدة النثر أيضا ومازلت أحب كل هذه الأشكال مع إضافات في الشكل العام. مثلا في القصيدة العمودية، أعتقد أني أضفت شيئا جديدا أحيانا أكثر من صدر بيت للبيت الواحد. أو في البيت الواحد أكثر من عجز يعني هذه مسألة ظهرت عفويا ثم اكتشفت أنها مريحة ومفيدة وجدية فأسريت فيها. واعتبر أن هذه هي إضافتي الشخصية قد يستعملها شعراء آخرون وربما تصبح إضافة لشكل القصيد الكلاسيكي. وقد أضفت ما يُسمىّ بالسربية. وهي ما ُسمى سابقا بالمطولة الشعرية. وكانت تقوم على موضوع واحد ملحمي فيه إطالة مبنية على وحدة القصيدة. وقد بدأت هذا النوع من السربية منذ سنة 1965 في "سربيات أرم" حيث لا يتخللها وحدة الموضوع ولا وحدة الشكل وتقوم على تداعيات أشبه بحركة أسراب الطيور أثناء طيرانها. والسربية هي القصيدة المبنية على التداعيات وتعدد الأشكال والحالات النفسية في إطار عام مشترك.
في سنة 1965 نشرت أرم وهي أول سربية في حين أني ألاحظ في السنوات الأخيرة عدد كثير من الشعراء العرب يكتبون بهذا الشكل ولا يطلقون عليه اسم سربية هم أحرار في ذلك لكنه سربية تكتب بالشكل الذي أوجدته باجتهادي الشخصي والتلقائي. فالأشكال تتكون تلقائيا وعفويا دون دراسة مسبقة.
شكل السربية أصبح كما أرى شكلا رائجا في العشر العربي الحديث. وأعتقد أن تعدد الصدر والعجز في القصيدة العمودية قد يٌريح بعض الشعراء وقد يُصبح شكلا رائجا فلا أضع trade mark أو حقوق التأليف ولم أطالب أحدا بالتعويض على شكل السربية ولم أطالب كذلك أحدا بالتعويض عن تعددية الشكل والعجز.
ماذا تقول عن صراع الحضارات وعن الآخر؟
في الآونة الأخيرة يتكلم الجميع كثيرا عن صراع الحضارات والعلاقة بالآخر. وهو تعبير مترجم من لغات أخرى أجنبية أنقليزية وألمانية...
أولا، لا يوجد صراع حضارات، فهذا اعتبره افتراء وتزوير لما يحدث. يوجد في العالم صراع بين قوى النور والحبّ والتقدّم والعمران وقوى الظلام والهدم والتدمير. في القوى الأولى يوجد عرب ومسلمين وفرسيين وروس والمان ويهود ومسيحيين وأقباط... وفي القوى الثانية نجد نفس الشيء عناصر من كل الشعوب والأديان والحضارات.
إذ لا يوجد صراع حضارات. وإنما يوجد صراع بين حضارتين وهما حضارة التقدم وحضارة التخلّف. ففي الأولى موجود من جميع الجنسيات والقوميات والأديان والقهر والتخلف والكبت والحرمان...
لا يوجد صراع أديان، فهذا كذلك كذب وافتراء وتهرّب من مواجهة الحقيقة.
عندما نتحدّث أيضا عن الحوار مع الآخر عادة ما نكذب على أنفسنا، لأنه يوجد في داخل كل عربي أكثر من آخر.. مثل الآخر الإقليمي والمذهبي والديني والقبلي والجهوي... قبل كل شيء علينا أن نبحث عن السلام الذي في داخلنا، علينا أن نكفّ عن كره أي شخص لأنه فقط شيعي أو سنّي أو علوي أو مسيحي.. لنكُفّ قبل كل شيء عن التناقضات التي هي في أعماقنا عندما نُجري المصالحة مع الآخرين في أعماقنا نصبح مهيئين للمصالحة مع الآخر في الخارج لذلك لابد من ثورة ثقافية عربية ليست على طريقة "ماوسي طونغ" أو على طريقة الثورة الثقافية الصينية، بل لابد من ثورة ثقافية عربية مدروسة وبمشاركة كلّ قوى التقدم والكرامة الإنسانية والقومية والحرية.