الأحد، 26 أكتوبر 2008

الطلاق في المجتمع الكويتي

فتيات في مقتبل العمر تجرهن أقدامهن جرا ثقيلا إلى قصر العدالة، لم تتمنّ الواحدة منهن مصيرا مثل هذا المصير، ولم تحلم إلا بفستان أبيض وفارس يغير واقعاً خالته بعضهن لن يتكرر.
هن اليوم، بنسب تدعو إلى القلق، يحاولن الاندماج في مجتمع لا يزال يضع المرأة المطلقة في خانة لا تحسد عليها. قد يكون زواجهن رضا أو غصبا وإكراها، وقد يكون عصيانا للأهل وتحديا، لكن الأكيد مدته -حسبهن - ما كانت لتصمد أكثر من سنة.
أشهر معدودة كانت طويلة بطول الأمد لدى بعضهن، وعلى مرارتها تبقى حلهن الوحيد المريح رغم ما يعشنه اليوم من مرارة تؤججها نظرات الآخر الحارقة وتعمقها ألسنة البعض المؤذية.
“الصوت” كانت في هذا التحقيق صوتا لا يقتصر على نقل آلام هؤلاء المطلقات، بل إنها تقارب الحقيقة وتعانق الواقع الاجتماعي في مختلف مظاهره.
فإلى أي مدى يمكن الحديث عن ارتفاع نسب الطلاق بالنسبة إلى هذه الفئة؟
وإلى أي مدى كان تعاطيهن مع وضعياتهن الجديدة ايجابا أو سلبا؟
بين أسباب طلاقهن وآلام التجارب المجهضة كان اللقاء معهن على مذاقه الكالح في أحيان كثيرة متنفسا وجسرا للعبور من الذات إلى الآخر.
“صرت أسمع صمتا من خلال نظرات الآخر” “المسكينة طُلقت ولم تمر سنة على زواجها”، “مثل هذه الكلمات والنظرات تجرحني وتدفع بي إلى التقوقع على نفسي والتزام الحد الأدنى من المشاركة في حضور المناسبات العائلية، صارت يومياتي محدودة تنحصر في الخروج مع الأهل والبقاء في البيت حتى صديقاتي أصبحت علاقتي بهن فاترة بفعل اضمحلال المشترك بيننا”.
تلك كانت كلمات بثتها محدثتنا بتلعثم بالغ ينم عن عدم القدرة على مواصلة الحديث معنا، هي فتاة لم تبلغ بعد 22 سنة رغم جمالها ورصانتها وأصلها الطيب تجد نفسها مطلقة، وما زالت الصدمة تشلها إلى حد السكون واللامبالاة. خصالها تلك تشي بأن الطلاق لا يختار ضحاياه وإنما يصيب كل العائلات على اختلاف مستوياتها الاجتماعية والمادية. أنفال رغم وقوف عائلتها إلى جانبها واحتضانها لها إلا أنها تشعر بالألم الكامن، باللاشيء يجتاحها، بخمول سرمدي يتآكلها إلى حد التلاشي، هي اليوم لا تعرف ما عساها تكون نهاية يومها أو غدها، لم ترسم لنفسها بعد مرور سنة تقريبا على طلاقها ملامح مستقبلها، مكتفية بالوقوف على آلام التجربة المريرة.
حوار الأرقام والحقائق
مثيلاتها اليوم في الكويت بأعداد قاربت 930 حالة سنة 2007، حسب آخر الإحصائيات الصادرة عن وزارة العدل. وبذلك احتللن المرتبة الثانية بـ 22.8 في المئة من إجمالي عدد المطلقات الذي بلغ حوالي 4950 حالة بعد المطلقات اللاتي تنحصر مدة زواجهن بين سنة و5 سنوات. وجدير بالملاحظة أن هذه العينة ترتفع بالنسبة إلى من مستواهن التعليمي متوسط فيكون عددهن حوالي 260 حالة والدبلوم حوالي 230 في حين تنخفض كلما انخفض المستوى التعليمي عن المتوسط أو تجاوز المستوى الجامعي إلى الماجستير.
ورغم ما يشاع عن ارتفاع نسب الطلاق بصفة عامة في الكويت إلا أننا قد نغالي إن سايرنا هذا التقييم في الوقت الذي يعتبره الاخصائيون نتيجة طبيعية وليست تشاؤمية، معتمدين على معدلات الطلاق التي تكاد تكون مستقرة إلى حد ما خلال السنوات العشر السابقة باعتبار أنه من الضروري الحديث عن الظاهرة وحساب نسبة ارتفاعها بمقارنتها بارتفاع عدد السكان المحليين والتغيرات الحاصلة في المجتمع وهو ما تعتمده منظمة الأمم المتحدة في قياس الظاهرة.
وهنا استنادا إلى الكتاب الإحصائي السنوي لوزارة العدل فقد ارتفع عدد سكان الكويت من حوالي ثلاثة ملايين و52 ألف نسمة سنة 2007 إلى حوالي ثلاثة ملايين و330 ألف نسمة، لذلك يبدو من الضروري وضع هذا الارتفاع الديموغرافي في عين الاعتبار.
“تختنق يومياً”
تبقى هذه الإحصائيات رغم أهميتها مجرد أداة تتعزز بالتقاء المعنيات بالأمر لفهم وضعياتهن.
هن في غالب الأحيان وباعتبار مدة زواجهن من فئة عمرية لا تتجاوز 25 سنة. سن يكون البعض منهن غير مستعد لتقبل صدمات الحياة، وبالتالي عدم معرفة كيفية التعامل معها وتجاوزها، لذلك تعمل العائلة على الإحاطة بهنن غير أنها في حالات عديدة تفرط في الاهتمام بالمطلقة إلى درجة قد تسيء بعضهن فهمها بفعل حساسيتها العالية.
هذا ما تعترف به محدثتنا “يحسسني الكل أنني بلا رجل... امرأة ينقصها الكثير، أو كأنها معوقة ويجب الأخذ بيدها في أدق الجزئيات، طلاقي يجعل مني محل شفقة الجميع، يغالي أهلي في الاهتمام بي إلى حد الاختناق”. تواصل حديثها تمزجه بالتشنج والاضطراب “ نحن المطلقات نختنق يوميا من نظرات الآخر ورقابة الأهل...ونادرا ما تتجاوز الواحدة منا ذلك”.
كانت تلك بعض التأوهات التي أطلقتها إحدى محدثاتنا هي فتاة لم تصل بعد منتصف العشرينات. سنة خاضت فيها تجربتي الزواج والطلاق، هي الآن في بيت العائلة تخنقها كثرة اهتمام الجميع بها حبا وخوفا من اهتمامات الناس.
هذه الأحاسيس تتقاسمها مطلقات كثيرات خاصة أنهن في مثل سنها ولم يمر على زواجهن إلا فترة قصيرة.
البحث عن الاستقلالية
ولئن كانت بعضهن تجدن صعوبة في التملص من آثار التجربة إلا أن كثيرا منهن وجدن في الطلاق انعتاقا من حياة صعبة ويحمدن الله على الخروج منها بأقل الخسائر الممكنة محاولات إعادة بناء ذواتهن لتحقيق استقلالية ذاتية، عبر الالتفات إلى اكتساب خبرة ومن ثمة الدخول في سوق العمل.
زينب واحدة من بينهن استطاعت أن تكسر جدار الذكرى وتضرب لنفسها موعدا مع المستقبل تحاول أن تكون منتجة بطريقتها الخاصة، تعلمت برمجيات الكمبيوتر، وهي اليوم موظفة في القطاع الخاص. شغلها يعني لها الكثير، يكفيها منه أنها صارت تجد سببا مقنعا تبرر به خروجها اليومي وفرصة للتواصل مع الآخرين في مسعى لتحقيق استقلاليتها ماديا ومعنويا.
هذه الحالات الإيجابية من المطلقات تجد مساعدة من قبل الأسر أو الهياكل ذات الصلة ولعل مشروع “من كسب يدي” إحدى الأيادي الممدودة لهن باعتباره يهدف إلى إكساب أمثالها مهارات حرفية ومهنية تسهل إدماجهن في منظومة العمل والانتقال من حالة الركون إلى وضعية الأخذ والعطاء وبناء الاستقلالية.
وكثيرا ما تجعل مسألة الاستقلالية المادية بعض المطلقات يطمحن إلى أبعد من ذلك أي استقلالية في السكن، مثل محدثتنا ريما تلك التي تنسى وهي تحدثنا الألم لتتذكر كم كانت سعيدة لإحساسها بكيانها داخل منزلها الخاص “رغم العناء الذي تحملته إثر فترة زواجي القصيرة إلا أنني كنت مستمتعة بشيء واحد وهو بيتي المستقل، هذا الشعور حلو جدا، وكم أتمنى أن يكون لي بيت مستقل”.
هذا الطموح يبقى في حالات عديدة صعب المنال بالنسبة إلى هذا النوع من المطلقات باعتبار صغر سنهن بالدرجة الأولى وعدم الخروج بأطفال تؤنس وحدتهن أو قد يكون شبه مستحيل في الكويت التي يحكمها الترابط الأسري والعادات الاجتماعية المتوارثة.
أي معنى لمؤسسة الزواج؟
حالات الطلاق هذه الكثيرة نسبيا في الكويت تجعل التساؤل مشروعا حول ماهية الزواج لدى الطرفين، هل هو وسيلة للخروج من قيد الأسرة والتسلط الأبوي؟
أم تراه وسيلة لتحقيق أمان عجزت الأسرة عن توفيره؟
أم أنه تجارة مربحة حينا، ومخرج من مأزق مادي أحيانا؟
هل أصبحت منظومة الزواج صفقة تبرم بين عائلتين؟
أم تقليد نمطي يهدف إلى استكمال نصف الدين؟
ولعلها محاولة لإرضاء العائلة أو التقاليد؟
تختلط الاعتبارات التي من أجلها يحدث الزواج، ولعل السبب الرئيسي وراء انتهائه بسرعة - حسب البعض- يتمثل في عدم ضبط الرؤية الأساسية من هذه المؤسسة الاجتماعية وهي الأسرة، مما يجعلنا نتساءل إن كانت العائلة قد أنشأتهما على مبدأ تقديس الحياة الزوجية من ناحية، ومن ناحية أخرى إن كان طرفا الزواج قد بسطا في فترة الخطوبة -إن وجدت- أهم المبادئ التي يؤسسان عليها الارتباط، هل يكفي الاتفاق على الأبعاد والعناصر المادية من مهر ومصاريف جهاز واحتفال لإنجاح مؤسسة الزواج؟
هذه الأسئلة على عمقها بعيدا عن الحكم الحاسم فيها ومن خلال بعض النقاشات مع المقبلين على الزواج تبقى مواضيع سابقة لأوانها، والزمن كفيل بجعلها تمر من دون تخطيط مسبق لها من جهة، ويجري التواكل فيها على العائلة باعتبارها من يختار الزوج أو الزوجة في أحيان كثيرة، فبالضرورة حسب البعض يكون اختيارها صائبا من جهة أخرى.
من هنا قد نكون وضعنا أصبعنا على أحد مصادر الإشكال، ذلك أن بعض المقبلين على الزواج يتوغلون في الحديث عن مصاريفه من دون التحدث عن الحياة الزوجية في عمقها رغم ما تحتاجه من جدية في طرحها والتثبت منها قبل الزواج والتعرف إن كانت النقاشات فيها تفضي إلى الاتفاق أو الاختلاف.
وبها قد تنجح عملية استشراف مدى طول فترة الزواج أو قصرها.
الخطوبة... هل هي ضرورية؟
“ معرفتي به لم تكن بالعمق الذي يؤدي إلى استمرار الزواج” كانت هذه بعض الكلمات التي اعترفت بها مطلقة العشرين، هي اليوم في عمر الزهور تعزو طلاقها إلى قصر فترة الخطوبة، حيث لم يكن الوقت كافيا للنقاش العميق مع خطيبها حول مسار العمر، نظرا إلى رؤى بعض العائلات حول ضرورة وجود الخطوبة أو طولها.
ورغم كونها أحيانا تكون أكثر طولا نسبيا في إطار شرعي بعقد قران إلا انها تؤدي إلى الطلاق قبل الدخول. وهنا نشير إلى ارتفاع نسبة الطلاق قبل الدخول من حوالي 510 سنة 2006 إلى 533 حالة سنة 2007.
يعمق انعدام وجود فترة الخطوبة أو قصرها الهوة بين الزوجين حسب بعض المستجوبات باعتبارها لا تكون كافية لمعرفة الآخر وتقبله شكلا ومضمونا.
وهذا ما يؤكده الاستفتاء الذي قامت به وزارة العدل لعدد من الأزواج والزوجات حول معرفة أهم الأسباب المؤدية إلى الطلاق حسب رأيهم. ومن خلال النتائج يجعل الزوجان عدم التقبل في المرتبة الأولى.
فيرى الزوج عدم التقبل بنسبة 51.2 في المئة، في حين ترى الزوجة 34.7 في المئة العامل النفسي مهم في ضمان التواصل بينهما. حيث يجد أحد الزوجين أو كلاهما صدا من الطرف الآخر أو عدم المقدرة على تقبله باعتباره لا يستجيب للصورة المرسومة في ذهن أحدهما عن الآخر. هذه النقطة كانت سببا في طلاق إحدى الحالات التي قابلناها في أروقة إدارة الرعاية الأسرية في مجمع الوزارات، حيث أعلمتنا السيدة “المظلومة” كما حلا لها أن تقدم نفسها، “كان شكل طليقي مقبولا وأعجبت به كثيرا، لكن للأسف كانت تصرفاته بشعة إلى درجة لا تطاق، بعد الزواج بيوم واحد وجدت فرقا كبيرا بين ما يحمله محياه وما يتحدث به وخاصة معاملته الحميمية المنفرة”، وتختصر تجربتها في حكمة مفادها أن المظاهر كاذبة بامتياز.
تؤكد كثيرات اعتبار أهمية فترة الخطوبة ومقابلة الشخص قبل الارتباط في نجاح الحياة الزوجية، في حين ترى أم محمد رأيا مغايرا، فهي زوجة مر عليها 4 عقود بعد زواجها تستبعد أن تكون فترة الخطوبة القصيرة أو انعدامها هي السبب في الطلاق، مستندة إلى حالتها الشخصية وحالات عديدة من الزيجات الناجحات على حد تعبيرها، إذ كانت معرفة الزوجين قبل الارتباط أمرا يكاد يكون مستحيلا غالبا، حيث لا يرى الزوج زوجته إلا يوم الدخلة، ومع ذلك تستمر الحياة بين الأزواج لمدة تتجاوز الخمسين سنة، إلى حد الممات ولم تكن فكرة الطلاق مطروحة مطلقا.
رأي الجيل القديم
من هذه الزاوية تفند بعض زوجات “الجيل القديم” أن يكون لغياب فترة الخطوبة دور في الطلاق. وإنما ترد ذلك إلى غياب الواسطة أو المُصلح العائلي أو القبلي بين الطرفين. وقد يكون هذا إلى حد ما منطقيا يؤكده تراجع نسب الصلح من 1176 حالة سنة 2006 إلى 1114 حالة سنة 2007 من ضمن 4580 حالة.
وفي المجال ذاته، تلقي أم أحمد باللوم على العائلة في الدرجة الأولى من ناحية لأنها لم تحسن تربية البنت على مبادئ تقديس الحياة الزوجية ومن ناحية أخرى تلوم الزوجة والزوج، وبصورة عامة تلوم جيلا كاملا -حسب نظرها- يستخف بالحياة الزوجية ويعتبرها أمرا لا يستحقّ التضحية والصبر، إذ حسب رأيها في غياب هذين العنصرين بالتحديد الصبر والتضحية فإن استحالة استمرار العلاقة الزوجية تبقى هي الحل الوحيد.
كذلك اختلفت الرؤى حول أسباب الطلاق بالنسبة لمن لم تتجاوز مدة حياتهم الزوجية شهورا معدودة، ولئن كانت مختلفة باختلاف منطلقات البحث فيها، فإن الطلاق في حد ذاته يبقى بالنسبة إلى هذه الفئة أمرا يقلب الموازين لديهم 360 درجة من دون التكهن بحتمية النتائج.
بين رغبتهن في الاستقلالية والانفلات من سلطة العائلة، تبقى لهذه الفئة من المطلقات بشكل عام آمال كثيرة في تحقيق ذواتهن على كل المستويات، غير أن الواقع الاجتماعي اليومي لا ينبئ بتحقيق هذا الحلم البعيد المنال. فهل هذا “الاحتجاج الاجتماعي” لهذه الفئة الشابة من المطلقات يمثل إحدى السمات الدالة على تحول سوسيوثقافي عميق في المجتمع الكويتي المعاصر؟

الاثنين، 14 يوليو 2008

شذرات من الواقع الكويتي

كانت تتكلم، تصرخ، تتأوه، تبكي ... أفعال تقوم بها في استرسال يصعب إيقافه، تواصل حديثها من دون انقطاع،
ومن دون اكتراث لنا إن قطعنا حديثها... تغمسه بالدعاء على الأطباء تارة وتعقبه بالنصيحة مرات كثيرة... كلامها قرارات كانت تحكمها لحظات الألم التي تعيشها وتشرك عائلتها فيها غصبا عنها.
قد نعذرها عليها وقد نرقّ لحالها... وفي الحالتين لا نملك إلا أن ندعو لها بالصبر. "لو أموت من الألم لن أتعالج هنا مطلقا في الكويت، حتى الأدوية وإن كانت مسكنات لن آخذها".
هذه كانت بعض الكلمات القرارات التي صرخت بها محدثتنا في محاولة منها للثأر لنفسها... أقوى حل عندها أن تفضفض وبقية الحلول تراها غير مجدية حتى القانونية منها.
هذا القرار، على ما يبدو عليه من انفعالية، قد ينذر بالخطر في بلد تمثل الجاليات الوافدة فيه ثلثي عدد السكان الذي يبلغ حوالي 3.2 ملايين نسمة.
وما يزيد في خطورة الموقف أن المتحدثة تتعدى التصريح بقرارها إلى التحذير والنصح بعدم العلاج هنا في الكويت... "أنصحك بلاش علاج هنا في الكويت"...
هذه الكلمات رغم أنها حاملة لدرجة كبيرة من الألم تجعل، التساؤل مشروعا حول كفاءة بعض الأطباء في بعض المستشفيات من جهة ومدى صدقية ضميرهم المهني.
محدثتنا اليوم لم تكن لتتوقع المرض بالزكام يوما، فإذا بها تجد نفسها ذلك اليوم أمام مرض عضال لم يرحم قبلها رضّعا وأطفالا لم يبصروا من الحياة شيئا ولم يفقهوا معنى الظلام والدموع، رغم صراخهم وبكائهم لحظة ميلادهم. هي آلاء فتاة مصرية مقيمة في الكويت مع زوجها،
لم يمر على زواجها إلا أشهر قليلة، هي اليوم بعد مضي أيام تعيش ولادتها من جديد بعد آلام نفسية رافقتها وتجاوزتها، لتنتشر بين أفراد أسرتها وأسرة زوجها...
آلام كان البطل فيها بالدرجة الأولى وبتميز أحد المستشفيات المعروفة في الكويت... تعيش هذه الأيام لحظة ميلادها الثانية. ابتدأتها ككل مولودي العالم بكاء، غير أن الفرق بين ولادتيها الأولى والثانية يكمن في مدى الوعي بالبكاء.
كان بكاؤها في لحظة ميلادها الأولى عن غير رغبة منها، وعن غير فهم وإحساس به، لحظة ميلادها الثانية كان البكاء فيها طواعية وبإصرار المحب للحياة، الراجع للحياة، الممنوح فرصة أخرى للحياة والتصالح مع الجميل فيها والسيئ.
آلاء فتاة السابعة والعشرين كانت ككل الفتيات تحلم بفارس أحلام تختاره، فكان لها أن وهبها القدر ما تمنته، ولأن الله كريم يعطي من دون حساب، فقد استفاض كرمه عليها وكرمها بأن تكون حاملا منذ أشهر زواجها الأولى... غير أن الفرح كان عمره قصيرا لم يتجاوز أسابيع، انتهت بها إلى تقرير طبي يؤكد سقوط حملها، وبالتالي سقوط أحلامها أرضا.
لم تتوقف آلامها عند هذا الحد، وإنما اكتشفت إصابتها بورم خبيث حسب تقرير طبي مكثف صادر عن مستشفى له صيت واسع في الكويت.
كيف لا وهو الملقب بالمستشفى (....)... الكشف عن الأسماء لا يعنينا بالدرجة الأولى بقدر ما يعنينا لفت النظر إلى بعض الأخطاء الطبية في بعض مستشفياتنا هنا في الكويت... لنعلم بأن الخطأ وارد في كل المستشفيات من دون استثناء، باعتبار أن من يعمل في تلك المؤسسات هو إنسان لا يخضع إلى قانون الكمال... ولأن الإنسان بشر يسمح له بالخطأ أو السهو، فإن في بعض الحالات يكون الخطأ فيها غير مسموح، خاصة إذا كان مؤديا إلى كارثة تكون نهايتها قتل نفس بشرية عن غير قصد، كما هو الحال بالنسبة إلى محدثتنا.
حسب التقرير الطبي والصور بالصدى والأشعة ثلاثية الأبعاد وسلسلة من الفحوصات التي استنزفت أرقاما كبيرة لها، أثبت سقوط حمل آلاء، وبناء على تلك التقارير الطبية الصارمة خضعت محدثتنا إلى فحوصات أخرى كثيرة تعتمد في الأساس على فحوص بالأشعة، وبناء عليه كذلك اكتشف الأطباء إصابتها بورم خطير يوجب خضوعها إلى عملية فورية.
ولأن التأمين رفض تغطية تكاليف العملية، ولكون أسعار مستشفى (....) باهظة جدا، فاضطرت محدثتنا إلى أن تعود إلى مصر مسقط رأسها لإجراء العملية الصعبة بسعر "معقول" على حد تعبيرها من جهة، ولكي تكون في تلك الحالة الصعبة وسط عائلتها. وطبعا وفق التقارير الطبية الصادرة عن مستشفى (....)، حدد موعد للعملية في مصر طبعا من دون التشكيك في نتائج الفحوصات في الكويت.
ولأن الظروف تخدم أحيانا ايجابيا، فقد اكتشف ما لم يكن في الحسبان، "كنت دائما اشعر بأن في الأمر خطأ، لم أكن رغم صرامة التحليل الطبي أصدق أنني مصابة بداء السرطان، كان يخالجني إحساس داخلي بأن ما بداخلي جنين، ما زال على قيد الحياة وينمو شيئا فشيئا...". أحيانا تكتنفنا بعض الأحاسيس، التي لا ندري هل هي استباق منا للحدث أو استشعار منا له أو حد يفصل بين قمتي الصدق والتوحد مع الغيب..
كذا كان حال محدثتنا، "قلب المؤمن دليله"..هذه المقولة على ابتعادها عن المنطقية تبقى في حالات كثيرة حلا أمام عجزنا عن فهم أمور عدة تخالجنا.. ولكون آلاء مؤمنة إلى أبعد الحدود... كان يقينها صادقا إلى أبعد الحدود... كان الجنين لا يزال على قيد الحياة فعلا حسب آخر تقرير طبي أقيم لها في مصر، كما تنص عليه الوثائق المرفقة لهذا العمل... الجنين على قيد الحياة وعمره 11 أسبوعا ويومان بالضبط،
وبالتالي يؤكد أن الكتلة الموجودة في رحم محدثتنا لم تكن بالمرة ورما قاتلا، وإنما هي دليل على وجود حياة داخل أحشائها من جهة ودليل على سلامة والدته مع إيقاف التنفيذ من المرض الخبيث. "لا شيء يضاهي وجودك في الكون بجسم سليم"، كذلك تمتمت محدثتنا بكلام تتجاذبها الفرحة لسلامة جسمها من داء السرطان وألم لكون ابنها مشوها بفعل الأشعة التي خضعت إليها، باعتبار أن التقرير كان يؤكد خلو أحشائها من الجنين. كان الجنين مصيره الإجهاض ليخلص من حياة يشوبها التشويه والعلة.
من المفارقات أن يبعث الجنين الحياة والأمل لأمه وهو يفارق الحياة، يهبها الحياة ويكون برهانا على صحتها ومعاناتها رغم تشوهاته وآلام لم يشعر بها.
"هذه الدنيا عجيبة غريبة" كما تذكر لنا محدثتنا، تحب جنينها ولن تنساه كما لن تنسى من وهبها إلى الرعب ووهب جنينها إلى الموت تشوها.
لم يبق لها أمام ما عاشته من ألم هي وعائلتها إلا أن تغمس عينيها بالبكاء وترفع أعينها قائلة "حسبي الله ونعم الوكيل، أنا مش مسامحة"...
حرارة دموعها تلك المتناثرة أمطارا على وجنتيها الذابلتين وعيونها الناظرة إلى السماء، تدعو سخطا على الأطباء، وتصيب جسمنا بقشعريرة خفيفة وتجعلنا بدورنا نطلب من الأطباء في الكويت بصفة خاصة والعالم بصفة عامة التثبت والتثبت ثم التثبت، فحياة الإنسان ثمينة جدا وإن كان جنينا.
قصة آلاء من الواقع، كما تبين ذلك الوثائق، ونتمنى أن يكون واقعا لا يتكرر في دولة تولي أهمية كبرى للإنسان من دون اعتبار لسنه أو جنسه أو عرقه أو مذهبه أو دينه...

الاثنين، 19 نوفمبر 2007

حوار مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم

احتياطي الكذب في الحياة العربية أكبر من احتياطي النفط في صحرائها

سميح القاسم، كما عرفته، شخصية مرحة تعلوها ابتسامة صادقة بعيدة عن التصنّع، ابتسامته فلسفة ينثرها أمام مستمعيه طمأنينة وحبّا في التفاؤل وبعثا للأمل في النفوس، هو إنسانيّ النزعة يُعلن رفضه الدائم للأصفاد والقيود جغرافية كانت أو عرقية أو دينية أو مذهبية... بقول الشعر يحاول منذ سنين تجاوز تلك الحدود...
في زيارته الأخيرة إلى تونس، أراد أن يشرّك محبّي الشعر والكلمة الهموم المتوالدة للإنسان العربي هنا وهناك وجيلا بعد جيل... سميح القاسم شاعر متمسّك بانتمائه العربي دون نعرة قوميّة، جاء ليوجّه صرخة إلى العالم في وجه العدوان. التقتينا، لا الشاعر فحسب وإنّما أيضا المثقف العربي الملتصق بشعبه وبقضاياه، وإليكم تفاصيل هذا الحديث الاستثنائي.


* في هذه الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان وفلسطين، يأتي سميح القاسم مبتسما، لم ينجح هذا العدوان في اغتيال ابتسامته الدائمة رغم إطباقها على أرواح عشرات الأطفال الأبرياء، ما سرّ في ذلك؟

السؤال طبيعي. وأرجو أن تكون إجابتي كذلك طبيعية. إن الشاعر الإسباني "لوركا" الذي اغتاله الفاشيون القتلة سألوه قبل رحيله بفترة وجيزة: "لماذا تقاتل وتكتب وتحارب؟" أجاب ببساطة: "أنا أدافع عن ابتسامتي" هذا التعبير الإنساني البسيط والعميق في نفس الوقت يختصر سيرة الصراع البشري من بدء المجتمعات الإنسانية إلى نهايتها.
في الحقيقة، أنا لا أدافع عن ابتسامتي، أنا أبتسم لأدافع عن دمعتي. الأمر سيّان عندي، إذ أني ألاحظ عبر وسائل الإعلام والفضائيات العربية حالة الانكسار والإحباط واليأس والانهيار الروحي لدى الإنسان العربي جرّاء ما يحدث على الأرض العربية في فلسطين أو لبنان والسودان والعراق وفي أماكن أخرى من هذا الوطن وهي حالات تثير الدمع لكن الاستسلام للدمع والانخراط في اليأس وصفته سابقا بأنه "رفاه باهظ التكاليف". أنا لا أستطيع أن أسدّد فاتورة اليأس وأعتقد أنّ أمتي لا تستطيع دفع ثمن اليأس لأنه باهظ جدّا ويعني النهاية. وأنا أؤمن بقوّة الحياة والإرادة والروح وجبروت الإنسان وشهوة الحضور الكامل في هذا الكون. لذلك تتحوّل حالتي الشعرية إلى حالة إنسانية كاملة.
واعذريني أنني أحسّ في هذه الأيام تحديدا كأنني مسؤول شخصيا عن مزاج أمّة ووجدانها، وليس فقط عن مزاجي الشخصي أو مزاج الشعب الفلسطيني أو اللبناني. لذلك أحمل هذا التكليف غير الرسمي وهو تكليف أعتبره ذاتيا وخاصا جدّا فتراني أتجوّل داخل العالم العربي وأقول للناس لم تموتوا بعد ولم نمُت بعدُ، وأن إمكانية الحياة متوفرة وأن المقاومة مطلوبة وضرورية وممكنة لأن الاستسلام يعني الموت. لذلك أرى في لقاءاتي بالجماهير العربية في تونس أو في أي بلد عربي آخر وأنا أتجوّل في الآونة الأخيرة بشكل مركّز في الوطن العربي بحيث أنّي أؤدّي رسالة شعرية وإنسانية ولا أقرّ أيّة نظرية من النظريات التافهة التي تتحدث عن القطيعة بين الشعر والسياسة أو الفنّ والواقع. هذه النظريات ساقطة وتافهة وغير جديرة بالتوقف عندها ومن هنا أعود دائما إلى منزلي في الجليل على سفح جبل حيدر ببلدة الراما قريتي بإحساس أنني على الأقل قدّمت أضعف الإيمان بأنني لا أعيش عبثا وأنني أهدر الوقت ولا أضيع طاقاتي وزمني هباء. أجد في هذا شيئا من العزاء وتجد قصيدتي شيئا من العزاء هي أيضا لأنّها تحسّ بأنها تصل إلى جماهير عريقة رغم كونها بالأساس قصيدة ذاتية فردية لكنها تصل.
أعتقد أنّ هذا التلاحم بين قصيدتي والجمهور هو الخندق القوي والأخير الذي تدافع به روح الأمة عن وجودها وحلمها وطموحها ومستقبلها.
عزيزتي أنا ابتسم للإنسان العربي، أما غضبي فهو بلا حدود. فأنا إنسان غاضب جدا في مسيرتي الشعرية منذ البداية، حتى أن بعض النقاد مثل رجاء النقاش وغيره أطلقوا عليّ لقب "شاعر الغضب الثوري" و"شاعر العروبة أو المقاومة أو الإنسانية"... كل هذه التعابير تؤشّر إلى شيء واحد وهو هذا الالتحام العفوي بيني وبين أمّتي.

* أمازلت تفضّل أو بعبارة أخرى هل مازال يستهويك لقب شاعر المقاومة؟

لا يعنيني أيّ لقب. لكن أفهم من سؤالك أنك تحيلينني أو تسقطين عليّ مقولات من شارع الثقافة والصحافة. هنا شيء خطير يقول بأنّ ليس هناك مكان للمقاومة وأدب المقاومة وأن المسألة انتهت وأنّ الأمن مستتبّ، وأنه انتهى دور شعر المقاومة إلى آخر الكلام...
أولا، أنا لم أخطط لضياع فلسطين حتى أصبح لاحقا شاعر مقاومة. لو لم تضع فلسطين لكنت ربما شاعر الحب الأول في العالم، وشاعر الغزل الأول عند العرب. فالمسألة ليست خيارا، ذلك أنّي لم أٌسأل إن كنت أريد أن أصبح شاعر مقاومة أو حبّ أو طبيعة أو نباتات بريّة، لاسيّما أني ولدت في معركة فانخرطتّ فيها وعبّرت عنها بما يليق بي وبها وبالشعر أيضا. لذلك هذا على مستوى القيل والقال في شارع الصحافة وعلى أرصفة "الكفتريات" في بعض المدن الملوّثة بدخان السجائر والسيارات والنظريات التافهة. هذا الكلام في الحقيقة لا يعني لي شيئا. وهو نوع من التخبّط واليأس والضياع الذي يعيشه ربما محبّو الشعر والأدب. ربما يكون نوعا من الضياع لا يهمني ولا يعني لي شيئا لأني لست عضوا في حزب سياسي أو شعري أو حركة علنية أو سريّة. فأنا شاعر فرد تحملني قصيدتي وأحملها بما أشاء وبما أريد وبما تحلم به القصيدة وهذا كلّ ما في الأمر. وحين تتحرّر الأمة ويتحرّر الوطن العربي سيبقى ما هو شعر وسيزول ما ليس شعرا.
إذا كانت القصيدة للمتنبي في هجاء كافور الإخشيدي أو في رثاء أم سيف الدولة قد بقيت إلى اليوم فإنها بقيت بقيمتها الشعرية وليس بالموضوع الذي تناولته. إذن في النهاية، ستبقى القيمة الشعرية.

* رغم قصائدك الكثيرة عن فلسطين.. هل تعتقد أن لك قصائد مرجعية باقية في الذاكرة كقصائد المتنبي، كيف تفسّر ذلك؟

أعتقد أننا هنا نختلف ببساطة بما هو حاضر. لنأخذ مثلا قصيدة "سأقاوم" التي كتبتها في سنة 1965 وأعتقد أنها معروفة في العالم العربي أكثر من قصيدة أخرى للمتنبي.
هذا حكم مستعجل، لنترك بعض الوقت. فالقصيدة الجيّدة تبقى وكذلك القصيدة التي تبني نفسها على الموضوع. ويجب أن نشير إلى أنه ليس كل ما يكتب في فلسطين هو شعر جيّد. وليس كلّ ما يكتب في قضيّة عادلة هو شعر جيد. فمن المحتمل أن يكون هناك شعر رديء في قضية عادلة وهو كثير في فلسطين والعالم العربي والعالم بأكمله. لكن الشعر الجيّد سيبقى.

* إذن هل لك أن تُحدّد لنا مقاييس الشعر الجيّد، حسب رأيك؟

لا أحد يستطيع أن يُعرّف ما هو الشعر. لكن هناك مقاربات. حسب رأيي العمل الذي يحمل استثنائيّة فنيّة قائمة بذاتها واستثنائية إنسانية من خلال الموضوع الذي تعالجه يتحوّل الشعر إلى شعر جيّد. وبهذا المعنى سيبقى للأمة في المستقبل نماذج من الشعر العربي الحديث جميلة وقويّة وأصيلة ولن يكون المتنبي وحيدا على الساحة. ولا أستعمل الشعر الفلسطيني لأني لست إقليميا كما يعرف الجميع.

*أصدرت بيانا من سميح القاسم المواطن إلى سميح القاسم الشاعر أعلنت فيه أنك لن تعود إلى الشعر. ما الذي دفعك إلى إصدار هذا البيان؟ وما الذي جعلك تعدل عن تنفيذه؟

هذا صحيح، لقد وصلت في لحظة انكسار كبرى وانهيار سياسي وإيديولوجي إلى حالة قلت فيها لنفسي "لمن تحرق نفسك وهذا الوجود السياسي والقومي والدولي لا يستحقّ أن تحرق نفسك من أجله بهذا الشكل، فليذهب إلى الجحيم، إن كان يختاره في لحظة معينة؟".
لكن حتى هذه الحالة، شدّتني لاحقا إلى التعبير عنها، وحين نشرت قصيدة بعد هذا البيان بفترة، سألني عدد من الصحافيين "ماذا مع هذا البيان الذي أصدرته؟"، قلت ببساطة "عصمتي ليست بيدي، فهي بيد القصيدة التي أعادتني إلى بيت طاعتها".

*تعلن دائما أنّ لديك "مسؤولية بتكليف إلاهي للدفاع عن روح الأمة وحضارتها وتراثها وثقافتها وحداثتها أيضا"، ألا ترى في ذلك مغالاة أم تراه غرور شاعر أو إنسان؟

أبدًا، هذا كلام متواضع، أنا أعترف بمسؤولية وتكليف إلاهي. وهذا حقيقة. وتلمسين في أمسياتي الشعرية في تونس أو الرباط أو القاهرة أو دمشق أو عمان.. أحسّ بهذا التكليف الإلهي. ومن المؤسف أن أقول إن في الأمة العربية كثيرين من هم مستعدّون للاستشهاد بحزام ناسف، لكن لا أجد من هم مستعدون للاستشهاد بحزام ثقافي. مع الأسف لا يوجد عندنا المثقف الشهيد والمثقفون المهيؤون للشهادة. يوجد مرتزقون، وموظفون بالمعنى الروحي وليس بالمعنى الرسمي. يوجد عندنا طبالون للسلاطين وحجّاب وبوّابون في الثقافة. نحن في حجة إلى نموذج للمثقف الشهيد حتى على مستوى "جون بول سارتر" لا يوجد عندنا. وهو ليس ذلك المثقف بقامة ابن رشد. لذلك فإن هذا الوضع والقحط والسقوط يجبرني على توجيه ما يشبه الإهانة والاستفزاز لما يُسمّى بالساحة الثقافية في الشعر والموسيقى والرسم... لا يوجد حراك ثقافي عربي على مستوى المأساة العربية رغم كبر حجمها وهولها.
لذلك هذا الإحساس بالوحدة وبالعزلة ربما يكون هو الذي يدفعني إلى البوح بالتكليف الإلهي.

* كيف ترى علاقة المثقف العربي بالواقع بين الموجود والمنشود؟

لست منظّرا، ولا أدّعي ذلك. لكن ربما بحكم موقعي الجيو-سياسي لست في غمرة الساحة العربية الثقافية. أنا في وطني ومعتقلي وسجني وحصني وقلعتي منقطع جسديّا عن الحياة اليومية والحركة الآنية في الوطن العربي، لكنّي روحيّا هناك ومنخرط بلا رحمة في الوجع العربي والهم العربي والحلم العربي أيضا. أنا منخرط بالكامل والقطيعة شكلية وبرّانيّة وجغرافية لكن لا أستطيع أن أتخلّى عن التكليف الإلهي.

*هل ممكن أن تكون الكلمة وسيلة للحفاظ على الإرث الثقافي؟

الكلمة وحدها لا تكفي. فهي ليست مجرّد وعاء رغم أنها بشكل من الأشكال وعاء لمضامين معينة يجب إعطاءها المضامين المناسبة. الكلمة بمعنى أداة التعبير ينبغي أن تكون لها دور في توظيف الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فالكلمة تستطيع أن تؤثّر وتُثوّر وتُغيّر. وهذا ما أقوله دائما. فالكلمة وحدها لا تستطيع أن تفعل شيئا دون مضمون مرتبط بالاقتصاد والفكر والسياسة. أفكاري ليست قمصانا أغيره، حتى أتوصل إلى رؤية أو موقف أو رأي هذا يتطلب مني سنوات طويلة من التجربة لذلك مازلت عند هذا الرأي. وما تأتين به لا يمكن أن يُكلُف شاعر بحماية تراث أمة بالكلمة والقصيدة فهناك أطراف وشركاء آخرون.

* منذ فترة لم نعرف للقصيدة العربية شكلا جديدا، هل تؤمن بأن لكلّ جيل شكل للقصيدة يوافق قضاياه؟
الأشكال في الفن ليست قضية موضة. نحن نكتب في القصيدة العربية ومازالت صالحة. فهذه مسألة ثقافة وتعليم ومعرفة. أوعية التعبير وأشكاله لا تسير مع الموضة فهي تتكون عبر التجربة الإنسانية والتراكم المعرفي في مراحل طويلة جدّا. فالرسامون المعاصرون مثل "بيكاسو" رسم بالألوان نفسها التي رسم بها "قوقان" "ورافييل"... المهم أنّ هذه الأدوات التي هي نتاج ثقافة وتجربة وصناعة وخبرة طويلة جدا لم يستعملها بيكاسو كما استعملها غيره. فكل رسام يستعمل الألوان بطريقته فخلطة الألوان تظل نفسها غير أن المهم كيف يتعامل الرسام معها. هكذا أيضا في الشعر. الأشكال تتغيّر، إذ كنا في الشعر العمودي ثم ظهرت التفعيلة ثم ظهر ما يُسمى بقصيدة النثر. فأحدها لا يُلغي الآخر.
أنا كتبت بالعمودي والتفعيلة وقصيدة النثر أيضا ومازلت أحب كل هذه الأشكال مع إضافات في الشكل العام. مثلا في القصيدة العمودية، أعتقد أني أضفت شيئا جديدا أحيانا أكثر من صدر بيت للبيت الواحد. أو في البيت الواحد أكثر من عجز يعني هذه مسألة ظهرت عفويا ثم اكتشفت أنها مريحة ومفيدة وجدية فأسريت فيها. واعتبر أن هذه هي إضافتي الشخصية قد يستعملها شعراء آخرون وربما تصبح إضافة لشكل القصيد الكلاسيكي. وقد أضفت ما يُسمىّ بالسربية. وهي ما ُسمى سابقا بالمطولة الشعرية. وكانت تقوم على موضوع واحد ملحمي فيه إطالة مبنية على وحدة القصيدة. وقد بدأت هذا النوع من السربية منذ سنة 1965 في "سربيات أرم" حيث لا يتخللها وحدة الموضوع ولا وحدة الشكل وتقوم على تداعيات أشبه بحركة أسراب الطيور أثناء طيرانها. والسربية هي القصيدة المبنية على التداعيات وتعدد الأشكال والحالات النفسية في إطار عام مشترك.
في سنة 1965 نشرت أرم وهي أول سربية في حين أني ألاحظ في السنوات الأخيرة عدد كثير من الشعراء العرب يكتبون بهذا الشكل ولا يطلقون عليه اسم سربية هم أحرار في ذلك لكنه سربية تكتب بالشكل الذي أوجدته باجتهادي الشخصي والتلقائي. فالأشكال تتكون تلقائيا وعفويا دون دراسة مسبقة.
شكل السربية أصبح كما أرى شكلا رائجا في العشر العربي الحديث. وأعتقد أن تعدد الصدر والعجز في القصيدة العمودية قد يٌريح بعض الشعراء وقد يُصبح شكلا رائجا فلا أضع trade mark أو حقوق التأليف ولم أطالب أحدا بالتعويض على شكل السربية ولم أطالب كذلك أحدا بالتعويض عن تعددية الشكل والعجز.
ماذا تقول عن صراع الحضارات وعن الآخر؟
في الآونة الأخيرة يتكلم الجميع كثيرا عن صراع الحضارات والعلاقة بالآخر. وهو تعبير مترجم من لغات أخرى أجنبية أنقليزية وألمانية...
أولا، لا يوجد صراع حضارات، فهذا اعتبره افتراء وتزوير لما يحدث. يوجد في العالم صراع بين قوى النور والحبّ والتقدّم والعمران وقوى الظلام والهدم والتدمير. في القوى الأولى يوجد عرب ومسلمين وفرسيين وروس والمان ويهود ومسيحيين وأقباط... وفي القوى الثانية نجد نفس الشيء عناصر من كل الشعوب والأديان والحضارات.
إذ لا يوجد صراع حضارات. وإنما يوجد صراع بين حضارتين وهما حضارة التقدم وحضارة التخلّف. ففي الأولى موجود من جميع الجنسيات والقوميات والأديان والقهر والتخلف والكبت والحرمان...
لا يوجد صراع أديان، فهذا كذلك كذب وافتراء وتهرّب من مواجهة الحقيقة.
عندما نتحدّث أيضا عن الحوار مع الآخر عادة ما نكذب على أنفسنا، لأنه يوجد في داخل كل عربي أكثر من آخر.. مثل الآخر الإقليمي والمذهبي والديني والقبلي والجهوي... قبل كل شيء علينا أن نبحث عن السلام الذي في داخلنا، علينا أن نكفّ عن كره أي شخص لأنه فقط شيعي أو سنّي أو علوي أو مسيحي.. لنكُفّ قبل كل شيء عن التناقضات التي هي في أعماقنا عندما نُجري المصالحة مع الآخرين في أعماقنا نصبح مهيئين للمصالحة مع الآخر في الخارج لذلك لابد من ثورة ثقافية عربية ليست على طريقة "ماوسي طونغ" أو على طريقة الثورة الثقافية الصينية، بل لابد من ثورة ثقافية عربية مدروسة وبمشاركة كلّ قوى التقدم والكرامة الإنسانية والقومية والحرية.

الخميس، 23 أغسطس 2007

بعض ما يحدث في تونس

كانت الساعة تشير إلى الثامنة وعشر دقائق... امتطت ''أماني'' كعادتها المترو الخفيف ليوصلها إلى محطة الحافلات فتمتطي واحدة توصلها إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية حيث تدرس بالسنة الثالثة ، قسم أدب وحضارة أنقليزية. كانت الساعة تنبئ بتأخّر الطالبة عن الحصة الأولى.
''كان اليوم منذ بدايته مشؤوما'' هكذا تمتمت الفتاة...اليوم من أوله غير عادي بالنسبة إليها، نهوضها متأخرة على غير عادتها، وركوبها المترو في تلك الساعة وفي ذلك الازدحام... كان المترو مكتظّا...اختلطت فيه روائح العطور بروائح الأحذية وغيرها، حالة من الاختناق تولّدت لدى الجميع. غير أنّ الجميع كان مُجبرا على استنشاقها وربّما التذمّر سرّا أو تبادل نظرة اشمئزاز من الوضع مع من يحمل نفس الإحساس. اختلطت الأيادي وترامت، بعضها متّجهة نحو جيب هذا وحقيبة تلك، وبعضها الآخر كانت وظيفتها أن تتلاعب بأعصاب ''أماني'' وتحصرها في مكان يجعل منها فريسة اختارها كهل الخمسين ليُغذّي شهوة خاطفة. كانت الفتاة تُوجّه عينيها المملوءتين استغرابا وحيرة إلى رأس الكهل يكسوه بياض النضج والرشد...وتُحدّث نفسها محاولة الاقتناع بعكس ما يجري جليا أمامها وما يُحدثه الاكتظاظ وتلاحم الأجساد، غير أن محاولاتها تلك سرعان ما تلاشت أمام تأكّدها من أنّه يستغلّ الوضع ليتحسّس أجزاء من جسدها. لذلك وجدت أنّ الصمت لن ينفع في مثل تلك اللحظات، فألقت به جانبا وقرّرت مواجهة الرجل وأمره بالابتعاد عنها والتوقف عن مضايقة جسدها الصغير. كلّ تلك المضامين اختزلتها الفتاة في كلمتين ''الشيب والعيب''... كلمتان كانتا كفيلتين بأن تضرم حربا ضروسا في المترو قادها رجال ونساء ''في سابقة أولى تمّ فيها اتفاق الجنسين'' هكذا تحدثت الطالبة الجامعية مستهزئة. لم يستطع أحد أن يتماسك أمام ردّ الرجل ز أنا في سنّ والدك، صلّي على النبيّس.
كلمات ذات إيحاء ديني وأخلاقي نجحت في إخراج الفتاة في أبشع الصور وإنقاذ الرجل من الموقف وجعل الجميع في صفّه...''كانت وسائله مُقنعة لركاب كان همّهم الوحيد أن يفرغوا حقدهم فيّ وفي جيلي'' هكذا رأت أماني. في حين تضامن الجميع مع الرجل ''الوقور الناضج الراشد''. انهال الجميع عليها شتما ولعنا تجاوز والديها لسوء تربيتهما لها حسب اعتقادهم، وطال أيضا المدرسين... وبعضهم وصل به الحد إلى حمد الله لان أبناءه لم يدخلوا الجامعة ''موطن الفساد'' حسب تعبير بعض الراكبين. وطال فرنسا والانفتاح والعولمة ووسائل الإعلام...وذهب البعض بعيدا إلى حدّ لوم الدولة لأنها تسمح باستعمال الهوائي ولوم بورقيبة لأنه علّم المرأة وحرّرها... وتضيف أماني: ''كانت الحادثة مولّدة لعدّة مواضيع ناقشها الجميع فيما بينهم في غير انتظام. كما كانت تُنبِئُ بمُؤشّرات خطيرة في مجتمعنا التونسي، أصابني ذهول وأنا أستمع لنقاشات الراكبين والراكبات واستعمالهم لمصطلحات فضفاضة في غير محلّها...
وابل من الأسئلة انهالت عليّ من ذاتي إلى ذاتي... وتذكّرت الحضارة الأنقليزية التي أدرسها ودراساتي الجامعية التي نالها الشتم كما طال أهلي ومدرسيّ وجيل بأكمله. كان بوسعي أن أردّ على الجميع غير أنّ يقيني بأنّ الجميع لن يستمع إليّ، وإن استمع فلن يفهم شيئا من كلامي جعلني أصمت، وجعل ذاكرتي تُسعفني بحكمة تلوتُها على نفسي ''لا ينفع العقار في ما أفسده الدّهر'' ونزلتُ بلا رغبة في الذهاب إلى الجامعة''. نزلت الفتاة من المترو الخفيف مُثقلة بهموم وأوجاع مجتمع بأسره، حمّلها الراكبون والراكبات أخطاء جيل بأكمله وسلوك ''شباب اليوم''. كان حملا ثقيلا جعلها تنزل من المترو ولا شيء في ذاكرتها غير اعتقاد راسخ ''أنه من الصعب أن نحطّم نحن جيل اليوم- حضارة الصمت في مجتمع يُقدّسُ الرجولة ويغفر أخطاء الرجل ويتغاضى عن بعضها ويجد أعذارا لبعضها الآخر''.
هكذا تمتمت الفتاة بصمت وهي تخرج من محطة المترو لتواصل سيرها نحو الجامعة لتتعلّم فيها بكلّ صمت فنون الكلام.

الأربعاء، 21 فبراير 2007

الشباب والجنس..وعي جديد أم عودة التابوهات..!

"نحن بنات عائلات محترمة لا دخل لنا بمواضيع الجنس المخلّة بالأخلاق ولا نقبل أن يقلل أحد من احترامنا فيحدثنا فيها"، كذا اتفقت ثلاث فتيات على الإجابة عن أسئلتنا بشأن رأيهنّ في موضوع الشباب والجنس اليوم، فهل يمكن أن نقبل بهذا ونمضي...
ربّما يخال البعض أن تطوّر المجتمع التونسي وتعرّضه للمؤثرات المتعاظمة لوسائل الإعلام والاتصال الحديثة قد أزاح الستار الحديدي الذي جعل هذه القضية في زمن مضى من التابوهات المسكوت عنها اجتماعيّا، خاصة وأنّ هناك وعيا جديدا بدأ يرتسم لدى بعض شبابنا حسب ما أفادت به بعض الدراسات. كما أنّ التحوّلات التي شهدها المجتمع التونسي خلال العقدين الماضيين وحتى الظاهرة منها للعيان مثل مسألة اللباس أو حتى التمثلات الجمعية للدور الجديد للمرأة في المجتمع الاستهلاكي قد يوحي بزوال معظم تلك المقدسات الذهنية، غير أنّ الرفض الاستنكاري لبعض فتياتنا مجرّد الخوض في موضوع كيفيّة تعامل شبابنا مع الجنس دفعنا إلى مراجعة مواقفنا وآرائنا المسبقة بشأن هذه القضية، وهو ما شكّل محور هذا التحقيق الصحفي الذي أنجزته مجّلة "حقائق" تسليطا للضوء على موضوع لم يعد مبعث اتفاق...


كثيرا ما اعتبرت مرحلة الشباب، في أدبيات علماء النفس الاجتماعي، مرحلة تحوّل مفصلي من عالم الطفولة إلى عالم الكبار. ولئن كانت هذه المرحلة العمرية تشوبها الحركة والتغيير الجذري والميل غالبا إلى خوض تجارب جديدة والرغبة في تأكيد الذات، فإنها تشهد لدى الكثير من الشباب اضطرابا وعدم استقرار، بالإضافة إلى التوتّر والقلق الوجداني، ولذلك قد ترى الشاب يسعى بكل جهد إلى تحقيق استقلاليته عن أسرته ومجتمعه.
بعضهن تربط الجنس بثنائية الحلال والحرام من جهة، والعذرية من جهة أخرى كما هو حال أميرة فتاة العشرين، هي طالبة جامعية تظهر عليها علامات الفطنة والرصانة. الجنس كلمة تحمرّ وجنتاها الصغيرتان حين تسمعها وينحني لها رأسها خجلا... هو كذلك موضوع لا ينبغي الحديث فيه خاصة في البيت أو مع الأصحاب ولاسيما الذكور منهم، فذاك مدعاة للإهانة و خدش لأخلاقها.. وهذا ما يدفع أميرة إلى الانصراف عن المجموعة إذا ما انقلبت "المواضيع الجدية" إلى موضوع عن الجنس لأنه "يقلّل من الاحترام".

"الجنس عندي مسألة محرّمة لا نقاش فيها، فمنذ صغري تعلّمت من والدتي أن الجنس خارج الزواج يفقد البنت كنزها الثمين الذي يعتبر هدية تهبها المرأة لزوجها ليلة الزفاف وأنا لا أوافق الفتاة المخطوبة التي تمارس الجنس مع خطيبها. كما اعتبر ممارستهما تقرب من الحيوانية لأنها خارج إطار الشرع وأرى أنّ الخطيب الذي يفكر في الجنس قبل الزواج حتى وإن كان عن حب لا يحترم خطيبته.. ذلك أن كل شيء عندما يكون في وقته المناسب وفي شرعيته التامة يكون حلوا ومبعثا للراحة لأن الجنس يجب أن يكون مؤطّرا ولا يكون على الهامش لأنه في إطاره هو متعة ومبعث للسعادة والفرحة. وبالنسبة إليّ مثلا لا أتحدث مع خطيبي عن الجنس، حتى مجرد تلفظ الكلمة أرفضه لأنها سوقية في حين أفضّل تعويضها بكلمة حب، فهناك بون شاسع بين الحب والجنس فالأول عاطفة مقدّسة ومسموح بها خارج إطار الزواج، أما الثاني أي الجنس فهو خطأ فادح تكون الفتاة وحدها مسؤولة عنه في حالة وقوعه.

في الاتجاه ذاته روت لنا ريم وهي تلميذة تجتاز مناظرة الباكالوريا العام المقبل أن والدتها كثيرا ما حدّثتها "عن مسألة العذرية.. حذرتني من المغامرة العابثة بفقدانها أمّا مع صديقاتي في المعهد فليس لنا باع كبير في هذا الموضوع وبالتالي لا نتحاور بشأنه كثيرا. وبالنسبة إلى الفتيات في الجامعة واللائي يُعرفن بممارستهن تلك فإنني أرفض قطعيا التحدث إليهن خوفا على سمعتي خاصة وأن الكثير من الفتيات في الجامعة من هذا النوع".

ولئن كشفت الشهادات الحية عن انكماش بعض هؤلاء الشباب عن أنفسهم ورفضهم القطعي أو تحرجهم من الحديث في الجنس، فإن بحثا ميدانيا قام به الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري تناولت محور الشباب التونسي والحياة الجنسية أظهرت أنّ عيّنة من 2600 شابا وشابة تمّ استجوابهم يعتبرون في معظمهم أنّ الخوض في الحياة الجنسية لم يعُد اليوم أمرا محظورا، وأبرز البحث أن الشباب الذين يتمتعون بمستوى دراسي عال نسبيا يعبّرون عن آرائهم حول الجنس بأريحية أكثر من غيرهم وذلك بنسبة تبلغ 61 % من الطالبات ومن ذوات التعليم الثانوي ونسبة 71 % من الطلبة ونسبة 59 % من ذوي مستوى التعليم الابتدائي.
والملاحظ أن هذه الأرقام تخص الأشخاص الذين لا يجعلون من الجنس أولى اهتماماتهم، وهي كذلك نسب ترتفع كلما تقدّمنا في مستوى الانتماء الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي.

هذا التنوّع في الانطباعات التي تصل إلى حدّ التناقض أضحت أمرا يدلّ على التنوّع في المجتمع التونسي بصفة عامة وعلى أن المسائل التي تخص الإنسان لا تخضع لقاعدة علمية ولا يمكن تنميطها. فلئن كان الجنس عند أصحاب الشهادات يبدو للمرة الأولى مصدرا لخرق العادات والتقاليد ودليلا على سوء نية الطرف المقابل، فإن 68 % من الشباب المستجوب في الدراسة المذكورة يعتبر بأن الحياة الجنسية أمر هامّ و14 % منهم يرونها أمرا هاما جدّا مقابل 18 % من الذين لا يرون لها أهمية. فالجنس كما يبدو من خلال شهادات بعض الشبان مقدس وممارسة تأتي لتكمل التوافق العاطفي، في حين اعتبره 24 % من الشباب حاجة وضرورة، غير أن 8 % منهم يرون أنه أمر لا قيمة له ولا معنى.

في قلب الحـدث...

يقودنا هذا التفاوت في تقدير الشباب التونسي لأهميّة الجنس إلى مسألة المصادر التي يعتمدونها في تحصيل ثقافتهم الجنسيّة، ذلك أنّ تحديد رؤية الشباب إلى هذه المسألة ترتبط ارتباطا وثيقا بالبيئة الاجتماعيّة التي نشأوا فيها باعتبارها المحدّد إجمالا للمصادر التي استقوا منها معلوماتهم بشأن الجنس.
وتفيد إحصائيات الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري أنّ نسبة الشباب الذين يلتجؤون إلى المحيط العائلي والاجتماعي في محاولة إيجاد إجابات لمشاغلهم الجنسية تتراوح بين 35 و43 % وتتفاوت حسب الجهات... بعض الأمهات لا يعير اهتماما لتلك الإحصائيات المخبرية، بل منهن من يحرصن على أن تكون الكلمة الأولى لهن في أول درس لأبنائهن في الجنس ومشمولاته..

آسية سيدة لم تتجاوز عقدها الرابع من العمر، فلا تخالها وأنت ترى شكلها ومظهرها الخارجي أن لها بنتين في سن الخطوبة، عملها كسكرتيرة عند أخصائي في أمراض النساء والتوليد يمكّنها من معرفة المشاكل التي يتعرض لها الشباب في بداية حياتهم الجنسية كما يجعلها تتحدث عن هذا الموضوع بكلّ أريحية، فهي كما تقول ضاحكة "أنا في قلب الحدث"، هي من الأمهات اللاتي لا يجدن حرجا في أن يكسرن الحاجز المتين الذي تشيّده النواميس الاجتماعية حول موضوع الجنس، فهي لا تتوانى عن بثّ المعلومة إلى صغارها وإسداء النصيحة في عصر تساهم فيه عوامل عديدة لترسم في الأذهان صورة نمطيّة عن الجنس.. تقول "إن وسائل الإعلام وخاصة منها الفضائيات بما تتضمنه من أفلام ومسلسلات تبيح أمورا خارجة عن عاداتنا وتقاليدنا ولكونها تُعرض بطريقة تشدّ انتباه الشباب التونسي وتقدم أمورا أراها تتلف عقولهم وتفسدها، لذلك تراني في بعض الحالات اضطرّ إلى التوغل في الحديث عن الجنس مع أبنائي، ولا أجد حرجا في الإجابة عن أي سؤال يطرحه علي فرد منهم وفي أحيان كثيرة أمرّر أفكارا حول هذا الموضوع دون أن أكون قد سئلت عنها".

وتضيف محدثتنا بثقة "أنا أفضل أن أكون مصدر معرفة بناتي بخفايا هذه الأمور على أن يعرفن ذلك من أحدى أصدقائهن ممّن لا خبرة أو معرفة لديهن بالأمر حتى لا تمرّر إليهن معلومة قد تؤدي إلى خلل في تربيتهم الجنسية والذوقية. وهو الشيء الذي يجعلني أعمل جاهدة على أن حماية أبنائي من الأساليب المبتذلة التي يتمّ تمريرها في الأفلام أو فيما يروّج من أحاديث الأصدقاء المراهقين عن الجنس والمغامرات المرتبطة به والتي قد تؤدي بالبعض إلى السقوط في منعرجات لا يعلمها إلاّ الله.

من الجدير بالذكر في هذا الصدد أنّ الشباب قد أوجدوا لأنفسهم مصادر أخرى للتثقيف الجنسي بعيدا عن العائلة، إذ يمثل الأصدقاء حسب ما جاء في الدراسة المذكورة أن نحو 9 % من مصادر المعلومات الرئيسية حول موضوع الجنس بالنسبة للشباب...

قلّما واجهتنا امرأة تتحدّث عن موضوع الشباب والجنس بمثل هذه الأريحية والمعرفة والثقة فيما تقول وتفعل، أضافت آسيا قائلةً "حين أتحدث عن الجنس مع أبنائي، أضع في اعتباري أن لا فرق بين الجنسين في التثقيف الجنسي، فقبل أن يأتي سن البلوغ تراني أحرص على أن أفسر لأبنائي التغيرات الفيزيولوجية التي ستطرأ على أجسادهم ذكورا كانوا أو إناثا لكي لا يستغربوا فيما بعد حصول ذلك ولكي لا يتعرضوا إلى "صدمة نفسية فتكون مراهقتهم مضطربة تتخللها أزمات تفرز كهلا مضطربا ومعقدا، غير أني أقوم بتثقيف أبنائي ثقافة جنسية أراعي فيها السن لأنه وحده الذي يحدّد زوايا الحديث في الجنس. وأحاول في كلّ مرة تقديم الجنس في أحسن صورة من منطلق إيماني أن له سرا خاصا في خلق علاقات متوازنة وبثّ التفاهم فهو يأتي ليكمل بالضرورة عاطفة الحب.
فالجنس -حسب اعتقادي- يجب أن يقدم للأبناء على أساس أنه شيء مقدس، فهو مصدر وجودهم في الحياة وليس أمرا مبتذلا أو خارج عن الأخلاق وهنا عليّ أن أوضح أنني أتحدث عن الجنس داخل إطاره الشرعي".

نمط الحياة تغيّر، والعادات والتقاليد لم تكن تسمح للأم في الماضي بأن تتصرّف مع أبنائها مثلما تفعل السيدة آسيا اليوم. تقول في هذا السياق "بالنسبة إلي لم تكن هذه المواضيع تطرح في صغري أصلا، إذ كانت تعتبر موضوعا محرما لا نتحدث بشأنه وإنما نمارسه فقط ليلة الزفاف. لذلك فإني أحاول سدّ الثغرات التي كانت تميّز علاقتي بوالدتي حتى أبني علاقة متينة بيني وبين أطفالي. كل الأشياء التي كنت أتمناها ولا تلبيها أمي جعلتها مواضيع حديث ونقاش بيني وبين أبنائي. ولكن في بعض الحالات -وهذا ما أريد الإلحاح عليه- أن المعلومة التي نقدمها لأبنائنا اليوم لا تفحمهم وإنما تفتح شهيتهم على ما هو أكثر وأعمق".


الجنس هو العذرية...

من البديهي أن تبقى هذه الاستنتاجات رهينة التنشئة الاجتماعية التي نشأ عليها الشباب، فمثلا مريم وهي الآن في عقدها الثالث، فتاة مثقفة تختزل صورة الفتاة التونسية الناضجة والجدية عملا وسلوكا، تحدثنا عن موضوع الجنس. كما تربّت عليه في أسرتها بعيدا عن نواميس المجتمع "لا نتحدث في عائلتي عن الجنس بصفة مباشرة ومن منطلق حدث أو تجربة ذاتية وإنما نضعه على المحك عندما يكون متصلا بمشكل أو حدث إعلامي من ذلك مثلا البرامج التحسيسية حول مرض "السيدا". في هذا المجال يتسع الحديث في الجنس خاصة من طرف والدتي، فيكون الحدث الإعلامي وسيلة تمرّر بها والدتي اقتراحاتها وملاحظاتها حول الأمر وتجعلنا مستهدفين نحن البنات في المنزل بطريقة غير مباشرة بتلك الملاحظات فكما يقول المثل الشعبي "الكلام على خويا والمعنى على جاري" وقد تربط مسائل متعلقة بالجنس بالدراسة مثل الحمل غير المرغوب فيه أو "السيدا" لتستغرب وتلعن الشباب الذي لا يطبق -حسب رأيها- ما يدرسه في العلوم الطبيعية.

بدأت الحاجة نعيمة حديثها معنا بطلب الستر من الله "كنا وإلى الآن لا نحكي في هذا الموضوع، ولا نعرف الجنس إلا قبل أيام معدودات من الزواج. إذ كانت مهمة التوعية الجنسية موكولة إلى "الحنانة" تقدم لنا في احتشام كبير بعض من خبرتها تتصل خاصة بمسألة نظافة جسد المرأة وحسن معاملتها مع زوجها وخاصة طاعته". وتستدرك محدثتنا "أتذكر شخصيا أن إحدى قريباتي توّلت من خلال تجربتها الشخصية المهمة معي ليلة الزفاف دون أن تدخل في التفاصيل لأن الحديث عن ممارسة جنسية شخصية يعتبر حراما كذلك كان الخجل يمنعني من سماع الكثير عن الأمر. ولما رزقني الله ببنتين كان حديثي موجها خاصة إلى نصحهما بالانتباه وأن يفعلا ما يحلو لهما إلا منطقة واحدة محرمة ولا يجب تخطيها، فالفتاة إذا ما فقدت يوما عذريتها فإن عمرها قد انتهى"...

هكذا تلخص الحاجة نعيمة الجنس في كلمة عذرية، ففي فقدان البنت لعذريّتها تحدث الكارثة، بل وهو بمثابة الموت المعنوي بالنسبة إلى الفتاة.. استنكرت غاضبةً وعلى سماتها علامات الانفعال الشديد ما تراه من "فتيات هذا الجيل" ففي رأيها "فتيات اليوم يصل بهن الجهل إلى حد الكفر ومشاركة الله في تحديد المصير وكتابة القضاء والقدر، فمن مغامرة طائشة أو علاقة حبّ قد تكون عابرة أو علاقة خطوبة تستبيح الفتاة لنفسها تسليم جسدها وهدر عذريتها من أجل خطيبها بتعلة أنهما في طريق مآله الزواج"... وهنا تواصل الحاجة كلامها مستغربة "من منا يضمن لنفسه شيئا؟ من أدراهن بالمستقبل وهل أنهن ستتزوجن ممّن أقمن معه تلك العلاقات؟"...

تسترسل محدثتنا في حديثها وتساؤلاتها في الاتجاه نفسه "لماذا يسقطن أنفسهن في دهاليز من الآلام نهايته تشرّدهن وتشرّد أطفال أبرياء يملؤون المستشفيات وديار الرضع. لا أنكر وجود الممارسات الجنسية في جيلنا سابق، لكن الأمر كان مغايرا تماما كل شيء في جيلنا كان "بمرونة" أما اليوم فالأمر مستفحل وحتى البنت "النظيفة" لا تلاقي احتراما كبيرا وإنما تدعى بالمتخلفة والمعقدة بل والمريضة نفسيا"... تضيف السيدة نعيمة بكل سخط ولوم وتحسر "بصراحة الفتيات في تونس تجاوزن كل حدود الدين والأخلاق واللياقة، يتعاطين الجنس بكثرة حديثا وممارسة. قد أخذت بنات العائلات بذنب البنات الأخريات، الله يهديهن، إذ حطمن أنفسهن وحطمن الشريفات ولوثن سمعة تونس بأكملها، فمن أجل الماديات، تبيع بعضهن جسدهن والأدهى والأمر أنهن يعتبرنه مصدر عيش، بئس عيش يكون مقابله شرف بنت وشرف عائلة بأكملها وبلد بأكمله. لذلك أدعو المعنيين بالأمر إن كانوا سلطة قرار أو أولياء أو وسائل الإعلام أن يتشدّدوا في الحرص والعقاب ليكفوا عنّا هذا التسيّب الفاضح في الطريق العام.

أحيانا تشعر بأنك تتحدث مع شخص واحد مع أنّك تحدثت في الموضوع نفسه مع العديد، السيدة أمينة مدرسة في التعليم الابتدائي شارفت على العقد الخامس من العمر وتتشبث بالموقف المحافظ نفسه للحاجة نعيمة، تقول "أنا لست ضدّ تحرّر المرأة بالعكس بعض النساء اليوم نفتخر بمستواهن التعليمي والفكري ولكنني أتحدث عمّن جرفها تيار الغرب ونسين أننا في مجتمع عربي إسلامي له موازينه وخصوصيته، مما جعل الشبان يفقدون الثقة في بنات بلدنا وبالتالي يضربون عن الزواج لذلك أناشدها ألا تفرّط في شرفها وألا تتساوى مع الرجل في الركض وراء النزوات، فالرجل لا يخسر مطلقا بل هي الخاسرة..."


سنة أولى جنــس...

التجربة الجنسية الأولى لها حكاياتها وأسرارها، عدد من الشباب الذين تحادثنا معهم حاولوا إنكارها أصلا، ولكن في كلّ الأحيان تناقضت التقييمات لهذه التجربة التي بدت للبعض استثنائية نفيسة وللبعض الآخر مؤلمة بطعم الحنظل..
روت لنا سامية بعض تفاصيل تجربتها الأولى، فقالت "في العشرين من عمري تقريبا، كان لي أول موعد مع الجنس، أتذكر أني وقتها كنت في قمّة السعادة وفخورة بتجربتي الجنسية الأولى ولا أخفي سرّا أني إلى الآن أحتفظ بنفس الشعور، ولم أندم على ذلك مطلقا بالعكس أنا فرحة لأني وهبت نفسي لمن أحب، كنت أعرفه منذ سنة كاملة وكنا نتحدث في كل شيء، من ضمن تلك الأشياء كان الجنس موضوعنا كنت طالبة جامعية وكان يكبرني بالكثير الكثير، كان الجنس بالنسبة إلينا موضوعا كسائر المواضيع الاجتماعية والنفسية، وقد فكّرت كثيرا قبل "الهدية" وفكرنا أكثر. وبعد تردّد دام طويلا وجدتني على اقتناع تام لأهبه عذريتي وأصير امرأة على يديه وخاصة بعد إعجابي الشديد به وثقتي المتناهية فيه. وحسب تجربتي الشخصية، فإن الثقة والإعجاب هما شرطان مهمان أضف إلى ذلك ضرورة وجود مرحلتين ينبغي المرور بهما وهما الاقتناع الأولي العقلي ثم الاقتناع الفعلي بالممارسة. وفي حضور هذين العنصرين يمكن للفتاة أن تعيش اللحظة قبلها وبعدها في سلم نفسي. العذرية موضوع غير مطروح في عائلتي، لأنّ الأمر يعتبر مسألة شخصية كذلك الجسد هو ملك فردي لا سلطان للغير عليه. كما أنني لم أتربّ على أن العذرية تعتبر مشكلة في حالة فقدانها. لذلك كنت مرتاحة البال ليس لي هاجس الخوف من الخسارة".

على خلاف تجربة سامية، فإنه غالبا ما تكون التجربة الأولى لدى الشباب مجرد إرضاء فضول وبحث عن تجربة لم يتم خوضها سابقا، فالشاب قد يتعرض فيها إلى صعوبات ومشاكل ناتجة عن قلة الخبرة وعن رغبة مندفعة في الوصول إلى أقصى حدّ من إرضاء الشهوة. أما الفتيات فهن غالبا لا يحققن في تلك التجربة متعة كاملة حتى في حضور ممارسة مبنية على الحبّ لأنها في مرحلة اكتشاف لجسدها ورغبتها في أن يكون ذلك بالتدرّج.

وفي حين يرى بعض شبابنا في أول علاقة جنسية متعة ولذة فإن البعض الآخر يعتبرها مصدر قلق وخيبة أمل ووخز الضمير. كما تعتبر هذه التجربة الأولى في نظر الأخصائيين هامة جدا لأنها ستشكل الحياة الجنسية للكهل مستقبلا بما يدعو إلى الإحاطة بالمراهق لكي يعيش التجربة الأولى بطريقة لا تؤثر فيه نفسيا مستقبلا.

إحدى الفتيات التي طلبت منا عدم ذكر اسمها أو ربما تكون قد أمدّتنا باسم خاطئ تحدثت عن تجربتها الأولى وقالت إنها لا تتذكر منها سوى شذرات من ألم: "كل ما أتذكره أن الخوف كان يمزّق أحشائي والشك كاد يقتلني وقتها... كان شكّا في كل شيء وفي لا شيء وبعدها استسلمت إلى الألم الجسدي والنفسي..."

الفتيات في هذه التجربة الأولى قلما يشعرن بالمتعة على خلاف الشبان. ذلك أن الجنس بالنسبة للفتيان يمثل وسيلة للتعبير ولإظهار مدى قوتهم ومكانتهم وخاصة مدى قدرتهم على التحرّر من رقابة الأهل، في حين تعتبر هذه التجربة بالنسبة إلى الفتيات مصدر ألم وانتقال من عالم براءة "الطفولة" إلى عالم النساء...

تلك هي التجربة الأولى يخوضها الشباب التونسي -حسب إحصائيات الدراسة المذكورة أعلاه- في السن المتراوحة بين 16 و17 سنة بالنسبة إلى التجارب الجنسية السطحية و18 سنة بالنسبة للممارسة الجنسية الكاملة. وحتى في هذا الخصوص فإنّه ممّا يلاحظ أن العلاقات السطحية لا تعدّ مصدر خوف بالنسبة إلى شبابنا، حتى أنّ نسبة هامّة منهم لا تستعمل وسائل الوقائية من الأمراض المنقولة جنسيا، إذ أن 47 % من الشباب يعتقدون أن الوسائل الوقائية ضارة بالصحة، وهذا موضوع لآخر يستوجب أكثر من مراجعة لمدى جدوى الحملات التحسيسيّة.

بقي أن نشير إلى أن 3 % من الفتيان لا يحدّد سن التجربة الجنسية الأولى، في حين أنّ 9 % من الفتيات يتذكرن سنّهن في تلك المرحلة. وهذا في الواقع قد يضيء بعض الضوء على اختلاف تمثلات الجنسين لمسألة رؤيتهما للجنس والتعامل معه واستبطان ما يمكن نسيانه أو السكوت عنه...